لم تعد العلاقة بين سوريا والاتحاد الأوروبي محكومة بإرث القطيعة الذي طبع السنوات الماضية، بل باتت تتحرك تدريجياً نحو مقاربة جديدة عنوانها الانخراط السياسي والدعم الاقتصادي وإعادة بناء الثقة المتبادلة، وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي في سوريا، ميخائيل أونماخت، أهمية خاصة لأنها تمثل حلقة جديدة في تقارب أوروبي متزايد مع دمشق.
حين يقول أونماخت خلال فعاليات اليوم الثالث من المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري إن “الاتحاد الأوروبي رفع عقوباته عن سوريا ومستمرون في تطبيع العلاقات”، فهو يضع إطاراً سياسياً واضحاً لمرحلة مختلفة عمّا سبق، فرفع العقوبات لم يكن، كما يرى مراقبون، خطوة تقنية مرتبطة بالجوانب الاقتصادية فقط، بل حمل أيضاً دلالات سياسية تظهر استعداداً أوروبياً لإعادة تعريف العلاقة مع سوريا على أسس جديدة تراعي التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل سبقه مسار متدرج بدأ بإجراءات تخفيف القيود الاقتصادية، وترافق مع زيارات متبادلة واتصالات سياسية متزايدة، وصولاً إلى انعقاد الحوار السياسي رفيع المستوى بين سوريا والاتحاد الأوروبي في بروكسل الشهر الماضي بناء على دعوة أوروبية، في خطوة حملت رسائل واضحة بشأن الرغبة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء شراكة مستقبلية.
في الإطار ذاته، جاءت مشاركة الرئيس أحمد الشرع في اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي في قبرص أواخر نيسان الماضي لتؤكد أن التواصل بين الجانبين لم يعد مقتصراً على المستويات الفنية أو الدبلوماسية، بل بات يأخذ طابعاً سياسياً مباشراً يعكس إرادة متبادلة لتطوير العلاقات.
كما أتت إعادة التفعيل الكامل لاتفاقية التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من التعليق منذ عام 2011، لتشكل تتويجاً عملياً لهذا المسار، فالاتفاقية لا تقتصر على أطر التعاون الاقتصادي، بل تفتح المجال أمام شراكات أوسع في مجالات التنمية والمؤسسات والحوكمة والتأهيل الفني.
وترى مصادر متابعة في دمشق أن اللافت في خطاب أونماخت أنه لم يركز على السياسة وحدها، بل وضع الاقتصاد في صدارة الأولويات، فإشارته إلى أن “القطاع الخاص هو المحرك الأول للنمو والتطور في البلد” تكشف عن رؤية أوروبية تعتبر أن استقرار سوريا المستقبلي يمر عبر تنشيط الاقتصاد وإطلاق دورة إنتاج واستثمار قادرة على توليد فرص العمل واستقطاب رؤوس الأموال.
ومن هنا تحمل دعوته إلى “ربط اقتصاد سوريا بالعالم” أهمية استثنائية، لأنها تعكس إدراكاً أوروبياً بأن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق في بيئة معزولة عن الأسواق الدولية أو المؤسسات المالية العالمية، كما أن تأكيده أن “دعم المصارف السورية خطوة أساسية لربط سوريا بالمصارف الدولية العالمية” يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى إعادة دمج النظام المالي السوري في الاقتصاد العالمي باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لمرحلة التعافي.
على أساس ذلك، تبدو العلاقة السورية الأوروبية اليوم أمام مرحلة جديدة تتجاوز منطق الاحتواء وإدارة الأزمات نحو بناء شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، وبينما يدرك الأوروبيون أن سوريا تحتاج إلى استثمارات وانفتاح اقتصادي ومساندة تقنية، تدرك دمشق أن إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي تشكل أحد المفاتيح الأساسية لتسريع التعافي واستعادة الدور الاقتصادي الإقليمي، ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز في المشهد الحالي هي أن الطريق بين دمشق وبروكسل بات مساراً متدرجاً نحو شراكة تكون رافعة للاستقرار والتنمية في المرحلة المقبلة.
الوطن – أسرة التحرير





