في تشخيص استثنائي يتجاوز التوصيفات الجاهزة للأزمة المعيشية، تبرز معضلة الاقتصاد السوري ليس كاختلالات ظرفية أو نتاج صدمات عابرة، بل كـأزمة بنيوية مركّبة نتجت عن تأرجح البلاد لعقود بين المرجعية الاشتراكية والممارسات الرأسمالية الانتقائية، ما أفرز “رأسمالية محاسيب” واقتصاداً “ريعياً أمنياً” تتداخل فيه السلطة بالنشاط التجاري.
أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور عبد الله الفارس يرى أن أزمة الاقتصاد السوري لم تكن مجرد اختلالات ظرفية أو نتائج مباشرة للصدمات السياسية، بل هي في جوهرها أزمة بنيوية مركّبة تعكس تناقضاً عميقاً في الهوية الاقتصادية للدولة.
وأشار في حديثه للوطن أن الاقتصاد السوري ظّل لعقود يتأرجح بين مرجعية اشتراكية التي نصّ عليها دستور عام 1969، وممارسات رأسمالية انتقائية بدأت تتبلور مع صدور قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، وهذا التداخل لم يُنتج نموذجاً اقتصادياً هجيناً متماسكاً، بل أفرز حالة من “الازدواجية الوظيفية”، حيث احتفظت الدولة بأدوات السيطرة والتوجيه، في حين فُتحت مساحات محدودة للقطاع الخاص ضمن إطار تحكّمي يضمن إعادة توزيع الريع لمصلحة النخبة الحاكمة.

ولفت الفارس إلى أنه وبدل من أن يشكّل التحول نحو الانفتاح الاقتصادي مدخلاً لبناء سوق تنافسي، جرى توظيفه كآلية لإعادة إنتاج السلطة الاقتصادية عبر شبكات الزبائنية، حيث لم يكن الاستثمار قائماً على الكفاءة أو الجدوى، بل على القرب من مراكز النفوذ، وهكذا تشكّل ما يمكن تسميته بـ”رأسمالية المحاسيب”، التي تقوم على الاحتكار المقنّع، وتُقص الفاعلين الاقتصاديين المستقلين، وتُضعف ديناميات السوق.
وأوضح أستاذ الاقتصاد أنه ومع صدور دستور 2012، الذي ألغى الصيغة الاشتراكية، وأقرّ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، بدا وكأن هناك تحوّلاً نظرياً نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً، إلا أن هذا التغيير بقي شكلياً إلى حدّ كبير، إذ لم يُرافقه إصلاح مؤسسي حقيقي يضمن سيادة القانون، أو يفكّك بنية الاحتكار، فاستمر الاقتصاد يعمل ضمن منطق “الدولة المتحكّمة بالسوق”، لا “الدولة المنظمة له”، وهو فارق جوهري في علم الاقتصاد المؤسسي.
وبيّن الفارس أنه ورغم النصوص الدستورية التي أكدت حماية الملكية الخاصة، فإن الواقع العملي، خاصة خلال سنوات الثورة، شهد تآكلاً خطيراً في حقوق الملكية، حيث تحوّلت المصادرة من أداة استثنائية إلى وسيلة ضغط وإعادة توزيع قسري للثروة، ما أدّى إلى تقويض الثقة، وهي أحد أهم مرتكزات أي نظام اقتصادي فاعل.
ويوصف الفارس الاقتصاد السوري في تلك المرحلة بأنه اقتصاد “ريعي-أمني”، تتداخل فيه السلطة السياسية مع النشاط الاقتصادي بشكل مباشر، وتُعاد فيه هيكلة الموارد بما يخدم بقاء النظام، ومن أبرز ملامحه تفكيك القاعدة الإنتاجية، إذ لم يكن تراجع القطاعات الإنتاجية نتيجة للحرب فقط، بل سبقها سياسات ضريبية وإجرائية معيقة، إلى جانب انتشار الإتاوات التي فرضتها جهات غير رسمية، ما رفع تكاليف الإنتاج وأفقد الاقتصاد قدرته التنافسية، كما تحول إلى اقتصاد ظل مؤسس، حيث لم تعد الجباية حكراً على الدولة، بل أصبحت موزّعة بين قوى عسكرية وأمنية، ما خلق نظاماً موازياً يستنزف الموارد خارج الموازنة العامة، إضافة إلى تشوّه النظام المالي عبر السيطرة على التحويلات، وتعدّد أسعار الصرف، ما أدّى إلى فقدان العملة لوظيفتها كمخزن للقيمة، ودفع الاقتصاد نحو “الدولرة غير الرسمية”، كما تم استخدام احتكار كآلية حكم، إذ لم يكن الاحتكار انحرافاً عن السوق، بل أداة لإدارته، خاصة في القطاعات عالية الربحية، ما أدى إلى تركّز الثروة بشكل حاد.
ومن ملامح التمويل العجز عبر التضخم من خلال التوسع في الإصدار النقدي دون غطاء إنتاجي، ما قاد إلى تآكل الدخول الحقيقية وانكماش الطبقة الوسطى، وأنه اقتصاد غير مشروع عابر للحدود، حيث أصبحت بعض الأنشطة غير القانونية، كالمخدرات، مصدراً بديلاً للعملة الصعبة، وهو ما أدخل الاقتصاد في دائرة المخاطر الجيوسياسية، ناهيك عن نزيف رأس المال البشري والمادي: نتيجة فقدان الأمان الاقتصادي، ما أدى إلى هجرة واسعة للاستثمارات والكفاءات.
ونوه الفارس بأنه وبعد التحرير برزت محاولة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي، ليس فقط عبر السياسات، بل من خلال إعادة تعريف دور الدولة نفسها، فبدلاً من كونها فاعلاً اقتصادياً مباشراً ومهيمناً، تسعى – نظرياً – إلى التحول نحو “دولة حارسة” تضمن قواعد المنافسة وتوفّر البيئة المؤسسية، وقد عكست المادة (11) من الإعلان الدستوري هذا التوجه، عبر التأكيد على العدالة الاجتماعية، والمنافسة، وتشجيع الاستثمار، غير أن التحدي لا يكمن في صياغة المبادئ، بل في ترجمتها إلى سياسات قابلة للتطبيق ضمن بيئة ما زالت تعاني من هشاشة مؤسسية.
واستعرض الفارس مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها السلطة الجديدة والتي يمكن فهمها ضمن إطار “اقتصاد الطوارئ الانتقالي”، عبر تحرير الاستيراد، ليس فقط كخطوة اقتصادية، بل كآلية لكسر شبكات الاحتكار، وإعادة ربط السوق المحلية بالأسواق العالمية، كما تم تحرير سعر الصرف، وهو قرار يحمل أبعاداً مزدوجة؛ فمن جهة يعيد التوازن للسوق النقدية، ومن جهة أخرى ينقل عبء التكيّف إلى المستهلك، خاصة في ظل ضعف الدخول.
ويرى الفارس أن هذه الإجراءات قد أسهمت في تحقيق بعض النتائج الإيجابية السريعة، مثل انخفاض الأسعار نسبياً وتحسّن العرض، إلا أنها تبقى حلولاً جزئية إذا لم تُستكمل بإصلاحات هيكلية أعمق.
وأوضح الفارس أن الاقتصاد السوري يواجه اليوم ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”فخ المرحلة الانتقالية”، حيث تتقاطع الحاجة إلى الإصلاح السريع مع محدودية الموارد وارتفاع التكاليف الاجتماعية. ومن أبرز هذه التحديات، أزمة السيولة نتيجة فقدان الثقة بالجهاز المصرفي، ما يقيّد قدرة الاقتصاد على التمويل، واختلال التوازن بين الانفتاح والحماية، إذ إن تحرير الأسواق دون دعم الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى إضعاف الصناعة الوطنية، وإعادة الإعمار كفرصة وتحدٍ، فهي تتطلب استثمارات ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تمثل مدخلاً لإعادة هيكلة الاقتصاد إذا أُديرت بكفاءة عالية، إضافة إلى استعادة السيطرة على الموارد، وهي مسألة سيادية بقدر ما هي اقتصادية، لما لها من أثر مباشر على الإيرادات العامة، إلى جانب إصلاح سوق العمل خاصة في ظل البطالة المقنّعة، ما يتطلب التحول من أنموذج التوظيف الريعي إلى أنموذج الإنتاجية.
وختم الفارس بالقول: إن جوهر الأزمة الاقتصادية في سورية لا يكمن فقط في نقص الموارد، بل في طبيعة إدارة هذه الموارد، وفي الإطار المؤسسي الذي يحكمها. وأي مسار إصلاحي حقيقي يجب أن ينطلق من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الفاعلين الاقتصاديين أنفسهم عبر ترسيخ سيادة القانون، وضمان الشفافية، وتكافؤ الفرص. فمن دون ذلك، سيبقى الاقتصاد عرضة لإعادة إنتاج أزماته، حتى وإن تغيّرت الأدوات والسياسات.








