كلما اقترب موعد امتحانات الثانوية العامة في سورية، تتكرر المشاهد ذاتها: توتر في المنازل، استنفار في المدارس، وقلق يسيطر على الطلاب الذين يشعرون أن مستقبلهم بأكمله معلق على بضعة أيام امتحانية. لقد تحولت الثانوية العامة عبر عقود إلى محطة مصيرية تحدد المسار الجامعي والمهني للطالب، حتى باتت تُعرف شعبياً بأنها “امتحان العمر”.
لا شك أن وجود امتحان وطني موحد يمثل أداة مهمة لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين المتعلمين، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت آليات الامتحان الحالية قادرة على قياس الكفاءات التي يحتاجها المجتمع وسوق العمل في القرن الحادي والعشرين؟
الواقع يشير إلى وجود فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يُفترض أن يمتلكه من مهارات. فما يزال النجاح في كثير من الأحيان مرتبطاً بقدرة الطالب على الحفظ والاستظهار أكثر من ارتباطه بالفهم والتحليل والتفكير النقدي. ولذلك تنمو ثقافة “الدراسة من أجل الامتحان” بدلاً من “التعلم من أجل الحياة”، وهو ما ينعكس على مخرجات التعليم الجامعي وسوق العمل لاحقاً.
الأكثر إشكالية أن مصير الطالب الأكاديمي يتحدد إلى حد كبير بنتيجة اختبار نهائي واحد، مهما كانت ظروفه النفسية أو الصحية أو الاجتماعية يوم الامتحان. وهذا الأنموذج، الذي كان مقبولاً في مراحل سابقة، أصبح محل مراجعة في العديد من الأنظمة التعليمية حول العالم التي اتجهت نحو التقييم المستمر وقياس المهارات المتعددة على مدار سنوات الدراسة.
إن الرؤية التطويرية المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على تعديل شكل الأسئلة أو زيادة عدد النماذج الامتحانية، بل يجب أن تنطلق من إعادة تعريف الهدف الأساسي للامتحان. فالامتحان الناجح ليس الذي يفرز الطلاب وفق قدرتهم على التذكر، وإنما الذي يكشف قدراتهم على الفهم والتطبيق والاستنتاج وحل المشكلات.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى بناء منظومة تقييم حديثة تعتمد على عدة محاور متكاملة: تقييم تراكمي خلال المرحلة الثانوية، وبنوك أسئلة معيارية تقيس المهارات العقلية العليا، واستخدام أوسع للتقنيات الرقمية في إدارة الامتحانات وتحليل نتائجها، إضافة إلى تطوير المناهج وأساليب التدريس بما ينسجم مع فلسفة التقويم الجديدة.
كما أن تطوير التعليم المهني والتقني يجب أن يكون جزءاً من هذه الرؤية، لأن الضغط المتزايد على الثانوية العامة ناتج أيضاً عن النظرة المجتمعية التي تجعل المسار الجامعي الخيار الوحيد للنجاح. والحقيقة أن التنمية الحديثة تحتاج إلى تعدد المسارات التعليمية وإعطاء قيمة متساوية للكفاءات المهنية والتقنية.
إن مستقبل التعليم في سورية لا يرتبط فقط بنجاح الطلاب في الامتحانات، بل بقدرة النظام التعليمي على إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار. لذلك فإن تطوير الثانوية العامة لم يعد ترفاً تربوياً أو مطلباً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات التنمية وإعادة البناء ومتطلبات الاقتصاد الحديث.
السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس كيف نجعل الطلاب ينجحون في الامتحان، بل كيف نجعل الامتحان يقيس ما يحتاجه الوطن من علم ومهارات وقدرات. وعندما نصل إلى هذه المرحلة، نكون قد بدأنا فعلاً إصلاحاً تعليمياً حقيقياً يضع الطالب في مركز العملية التعليمية ويجعل من الامتحان أداة للتطوير لا مجرد محطة للعبور.




