تتجه منطقة القوقاز نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، مع تصاعد مؤشرات التعاون بين تركيا وأذربيجان وجورجيا من جهة، وتنامي الخطاب السياسي الداعم للتطبيع بين تركيا وأرمينيا من جهة أخرى، في تطور يعكس تحولاً تدريجياً نحو تخفيف التوترات وبناء شراكات اقتصادية وسياسية أوسع في المنطقة.
ففي العاصمة التركية إسطنبول، أكدت وزيرة الخارجية الجورجية ماكا بوتشوريشفيلي أن آلية التعاون الثلاثي بين جورجيا وتركيا وأذربيجان تعد واحدة من أنجح نماذج الشراكة الإقليمية، مشيرة إلى أن هذا التعاون لا يخدم مصالح الدول الثلاث فحسب، بل يمثل أيضاً عاملاً أساسياً في تعزيز الاستقرار والازدهار في منطقة القوقاز.
وأوضحت بوتشوريشفيلي خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيريها التركي هاكان فيدان والأذربيجاني جيهون بايراموف، أن الشراكة الثلاثية أثبتت فعاليتها خلال السنوات الماضية، وأسهمت في إطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية، ما انعكس إيجاباً على التنمية الإقليمية وتعزيز الترابط الاقتصادي بين الدول الثلاث.

وفي السياق ذاته، برزت مؤشرات سياسية إضافية على مسار التهدئة في المنطقة، مع إعلان وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان تفاؤله بإمكانية تحقيق تطبيع كامل للعلاقات بين بلاده وتركيا في المستقبل القريب، مؤكداً استمرار الحوار الثنائي وبدء خطوات عملية في مجالات اقتصادية محددة.
وأشار ميرزويان إلى أن الاتصالات بين أنقرة ويريفان تتواصل عبر اجتماعات دورية ومباحثات تقنية، من بينها ملفات تتعلق بإعادة فتح خطوط النقل والسكك الحديدية، إلى جانب بحث خطوات تدريجية نحو بناء الثقة بين البلدين بعد عقود من التوتر.
كما عزز رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان هذا التوجه، قائلاً: إن بلاده حققت “ديناميكية إيجابية جداً” في علاقاتها مع تركيا، معبّراً عن رغبة واضحة في تحويل هذا الزخم إلى مسار مؤسسي يفضي إلى سلام دائم وتعاون إقليمي أوسع، يشمل أيضاً تطبيع العلاقات مع أذربيجان.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه تركيا وأرمينيا عقد لقاءات ثنائية لبحث خطوات إعادة فتح الحدود واستئناف العلاقات الدبلوماسية، وسط إشارات إلى تقدم تدريجي في ملفات اقتصادية وأمنية عالقة منذ سنوات طويلة.
وفي موازاة ذلك، رحبت وزارة الخارجية التركية بسير الانتخابات البرلمانية في أرمينيا في أجواء هادئة، معربة عن أملها بأن تسهم نتائجها في تعزيز مسار السلام والتطبيع في المنطقة، ومؤكدة استمرار أنقرة في دعم الاستقرار الإقليمي على أساس المصالح المشتركة.
ويرى مراقبون أن هذا الحراك المتزامن بين مساري التعاون الثلاثي والتطبيع الثنائي يعكس توجهاً إقليمياً أوسع نحو إعادة صياغة العلاقات في القوقاز، حيث باتت مشاريع الطاقة والممرات التجارية والبنية التحتية تشكل ركيزة أساسية في بناء التفاهمات السياسية الجديدة.
ويشير محللون إلى أن منطقة القوقاز، التي كانت لعقود ساحة توترات مزمنة، تشهد اليوم تحولاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تقاطع المصالح الاقتصادية وتخفيف حدة الصراعات التاريخية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استقرار إقليمي يواكب التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
الوطن – أسرة التحرير








