أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن زيارة الوفد الأردني إلى دمشق تمثل محطة مفصلية تتجاوز الأبعاد البروتوكولية التقليدية، لتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي الذي تفرضه المصالح المشتركة بين البلدين.
وأوضح للوطن أن هذه الزيارة تأتي في سياق إعادة صياغة المصالح الحيوية بين سوريا والأردن بعد أكثر من عقد من التحولات والاضطرابات الجيوسياسية، لافتاً إلى أن الأردن لا يمثل بالنسبة لسوريا مجرد دولة مجاورة، بل يشكل ممراً استراتيجياً ورئة اقتصادية يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط الواقعة على ميزان المدفوعات، وإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي السوري.
وأشار إلى أن الملفات على طاولة التعاون المصرفي لا تقتصر على إجراءات فنية أو تنظيمية، وإنما تمثل محاولة لبناء هندسة مالية معقدة ضمن بيئة اقتصادية تتسم بتعدد أسعار الصرف وتراجع الثقة بالعملة المحلية، إضافة إلى مخاطر الامتثال المفرط للعقوبات الدولية من قبل المؤسسات المالية الإقليمية. ومن هذا المنطلق، يرى أن الزيارة تمثل اختباراً عملياً لإمكانية إنشاء فضاء مالي إقليمي قادر على تحييد جزء من الضغوط الاقتصادية، شرط تصميم الآليات بطريقة تحمي السيولة المحدودة للدولة السورية ولا تؤدي إلى تعميق تبعيتها النقدية للخارج.

صندوق مقاصة هجين لتسهيل التجارة
وفي معرض حديثه عن آليات تسهيل التبادل التجاري، اعتبر محمد أن التحدي الأبرز يتمثل في إيجاد آلية تسوية مالية مشتركة تسمح باستمرار تدفق أموال التجارة البينية من دون تعريض القطاع المصرفي الأردني لمخاطر العقوبات الدولية.
وأوضح أن أي صيغة ناجحة يجب ألا تقتصر على معالجة مخاوف الجانب الأردني، بل ينبغي أن تراعي المصالح السورية أيضاً.
ويرى أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في إنشاء صندوق مقاصة ثنائي يُدار خارج القطاع المصرفي التقليدي، سواء من خلال تسجيله في منطقة اقتصادية خاصة أم من خلال تأسيس كيان اعتباري مشترك يتولى إدارة الفواتير والتسويات المالية المرتبطة بالتجارة بين البلدين. وأضاف: إن هذا الصندوق يمكن أن يشكل بديلاً من البنوك المراسلة التقليدية التي تبقى عرضة للتدقيق والمخاطر المرتبطة بالعقوبات.
كما طرح مفهوم «المقاصة المعكوسة»، حيث يقوم التاجر الأردني بتسديد قيمة مشترياته بالدينار الأردني داخل بلاده لمصلحة صندوق المقاصة، في حين يحصل المصدر السوري على القيمة المقابلة بالليرة السورية من داخل سوريا وفق سعر صرف متفق عليه.
ووفق هذا التصور، تتم التسوية النهائية للعجز الصافي في الميزان التجاري بشكل دوري، وليس بالضرورة عبر تحويلات مالية دولارية مباشرة، وإنما من خلال وسائل بديلة تشمل المدفوعات العينية أو شهادات الإيداع الحكومية أو توظيف الأرصدة المتراكمة في استثمارات وخدمات محددة، ما يحد من التعرّض المباشر للعقوبات الدولية.
السيولة ليست بالدولار فقط
وفي ما يتعلق بقدرة المصرف المركزي السوري على إدارة مثل هذه الآليات، أكد استاذ التمويل أن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية احتياطيات القطع الأجنبي، ما يجعل أي نظام يعتمد على التسوية بالدولار أمراً بالغ الصعوبة.
إلا أنه أوضح أن نجاح نموذج المقاصة المقترح لا يتطلب بالضرورة توافر سيولة دولارية كبيرة، بل يعتمد على ما وصفه بـ«السيولة السلعية» والسيولة بالليرة السورية.
وبيّن محمد أن المطلوب هو ضمان أن تكون الليرة التي يحصل عليها المصدر السوري مرتبطة بإنتاج حقيقي وصادرات فعلية، ما يمنع تحول هذه العملية إلى مصدر إضافي للتضخم.
كما أشار إلى أن تراكم أرصدة بالدينار الأردني في حال تفوق الصادرات السورية على المستوردات قد يمثل فرصة مهمة، نظراً لاستقرار الدينار وارتباطه بالدولار، الأمر الذي يسمح باستخدام هذه الأرصدة في تمويل مستوردات حيوية للسوق السورية، مثل الأدوية والمواد الأولية، من دون الحاجة إلى استنزاف احتياطيات القطع الأجنبي.
المنطقة الحرة بين الاستقرار والدولرة
وعن مستقبل النشاط الاقتصادي في المنطقة الحرة المشتركة، يرى محمد أن نجاح أي مشروع اقتصادي أو تجاري جديد يتطلب عملياً اعتماد الدينار الأردني أو الدولار ضمن سلة العملات المستخدمة في التسعير والتسوية، موضحاً أن الليرة السورية فقدت خلال السنوات الماضية جزءاً مهماً من وظائفها التقليدية كوحدة حساب ومخزن للقيمة ووسيط للتبادل في المعاملات العابرة للحدود.
وأشار إلى أن هذا التحول يحمل آثاراً متباينة، فمن جهة، يمكن أن يسهم في تنشيط التبادل التجاري وزيادة تدفق السلع إلى السوق السورية، ما يساعد على تعزيز العرض والحد من الضغوط التضخمية، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تسريع ظاهرة الدولرة النظامية وانتقال ثقافة التسعير بالعملات الأجنبية من المناطق الحرة إلى السوق الداخلية، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية أمام السياسة النقدية.
وأكد أستاذ الاقتصاد أن التعامل مع هذه المعضلة يجب أن يتم من خلال إدارة ذكية للمرحلة، تقوم على الاستفادة من ميزات الاستقرار التي توفرها العملات الأجنبية من دون السماح بتحولها إلى بديل كامل عن العملة الوطنية. وفي هذا السياق، شدد على أهمية أن يفرض المصرف المركزي آليات تضمن إعادة جزء من التدفقات النقدية إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، ما يعزز مركزه المالي ويحافظ على قدرته على إدارة السوق النقدية.
نافذة ضيقة وفرصة
وفي ختام رؤيته، اعتبر استاذ المصارف أن سوريا تقف أمام نافذة استراتيجية ضيقة لكنها مهمة، تتيح إمكانية بناء نموذج تعاون اقتصادي ومالي جديد مع الأردن. وأوضح أن نجاح هذا المسار لا يقاس بحجم الدولارات التي قد يجلبها، وإنما بقدرته على إنشاء منطقة نقدية وظيفية مصغّرة تسمح للاقتصاد السوري بالتنفس عبر التبادل السلعي الحقيقي وتجاوز معضلة نقص العملات الأجنبية.
وأضاف: إن صانع القرار السوري يقف اليوم أمام خيارين رئيسيين، إما التمسّك بمفهوم شكلي للسيادة النقدية عبر الإصرار على استخدام الليرة السورية في كل المعاملات العابرة للحدود، أو اعتماد مقاربة أكثر مرونة تقوم على إدارة واقع تعدد العملات بطريقة تخدم الاقتصاد الوطني وتحد من التضخم وتزيد من تدفق السلع ورؤوس الأموال.
وختم محمد بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي ليس خارجياً بقدر ما هو داخلي، ويتمثل في قدرة المؤسسة النقدية السورية على إدارة هذا التعقيد بكفاءة وتحويله إلى فرصة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، بدلاً من أن يتحول إلى عامل إضافي يفاقم الضغوط على العملة الوطنية ويعمق التبعية المالية.







