بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي غيّر وجه السياسة البريطانية، يبدو أن “بريكست” تحوّل إلى قضية متجددة تفرض نفسها على النقاش العام كلما واجهت بريطانيا أزمة سياسية أو اقتصادية جديدة، ومع تصاعد الضغوط على حكومة كير ستارمر، واحتدام الجدل بشأن أداء الاقتصاد البريطاني ومكانة البلاد الدولية، يبدو أن إرث الخروج من الاتحاد الأوروبي عاد ليطارد الطبقة السياسية البريطانية بأكملها، لا باعتباره قراراً ماضياً فحسب، بل سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل المملكة المتحدة نفسها.
في الأوساط السياسية البريطانية يتزايد الاعتقاد بأن الجدل لم يعد يدور حول ما إذا كان “بريكست” قراراً صائباً أو خاطئاً، بل حول كيفية إدارة تداعياته طويلة الأمد، فخلال سنوات حكم المحافظين، تحوّل الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى العنوان السياسي الأبرز الذي أعاد تشكيل الخريطة الحزبية، وأعاد تعريف أولويات الدولة، غير أن الحكومات المحافظة المتعاقبة وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً مما وعدت به الحملات المؤيدة للانفصال، حيث اصطدمت شعارات السيادة الوطنية وتحرير الاقتصاد بتحدّيات النمو والاستثمار والتجارة وسوق العمل.
ووفق مصادر سياسية، فإن هذه التجربة تركت إرثاً ثقيلاً انتقل إلى حكومة حزب العمال الحالية، وعلى الرغم من أن ستارمر وصل إلى السلطة مستفيداً من تراجع شعبية المحافظين، فإنه يدرك أن أي محاولة لإعادة فتح ملف العودة إلى الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر قد تعيد إنتاج الانقسامات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي، لذلك تبنّى “العمال” مقاربة أكثر حذراً تقوم على تحسين العلاقات مع بروكسل وتوسيع مجالات التعاون من دون السعي إلى إلغاء نتائج الاستفتاء أو العودة إلى عضوية الاتحاد.
إلا أن هذه المقاربة تواجه، بدورها، تحدّيات سياسية متزايدة، فمع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع سقف توقعات الناخبين، تتصاعد داخل بعض الأوساط البريطانية دعوات لإعادة تقييم المسار الذي سلكته البلاد منذ عام 2016، كما أن استطلاعات الرأي التي تظهر تنامي “الندم” لدى شريحة من البريطانيين تمنح زخماً للتيارات المطالبة بعلاقة أوثق مع أوروبا.
على الضفة المقابلة، لا تزال هناك قوى سياسية وشعبية ترى أن مشكلات بريطانيا الحالية لا تعود إلى “بريكست” وحده، بل إلى عوامل أوسع تشمل تباطؤ الاقتصاد العالمي وتداعيات الأزمات الدولية المتلاحقة، ومن هذا المنطلق، يرفض أنصار الخروج تحميل المشروع الأوروبي السابق مسؤولية كل الإخفاقات الداخلية.
وبناءً على ذلك، فإن المشهد البريطاني يفتح الباب أمام عدة احتمالات، أولها استمرار النهج الحالي القائم على التقارب العملي مع الاتحاد الأوروبي من دون تغيير جذري في الوضع القانوني للعلاقة، وثانيها انتقال النقاش تدريجياً نحو صيغ أكثر اندماجاً في السوق الأوروبية، أما الاحتمال الثالث فيتمثّل في عودة القوى الشعبوية والقومية إلى استثمار ملف السيادة الوطنية لمواجهة أي تقارب مع بروكسل، وهو ما قد يعيد الاستقطاب السياسي إلى الواجهة.
في النتيجة، يبدو أن “بريكست” لم يعد قضية تتعلّق بالماضي، بل أصبح اختباراً مستمراً لقدرة النظام السياسي البريطاني على التكيّف مع نتائج أحد أكثر القرارات تأثيراً في تاريخه الحديث، وهنا تبقى بريطانيا أمام مرحلة جديدة عنوانها البحث عن توازن دقيق بين استقلال القرار الوطني ومتطلبات الواقع الاقتصادي والجيوسياسي المتغير.
الوطن – أسرة التحرير






