سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين العدالة الانتقالية وبناء الدولة… سوريا ترسم ملامح مرحلة ما بعد الصراع

‫شارك على:‬
20

خطاب الرئيس أحمد الشرع يمكن قراءته في سياق مرحلة انتقالية معقّدة تمر بها سوريا، حيث يتداخل السياسي بالقانوني والأمني في لحظة إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها بعد انهيار منظومة حكم سابقة، ويبدو أن جوهر الطرح الذي قدّمه خلال لقائه وفداً من وجهاء وأعيان محافظة ‏ريف دمشق يتمحور حول ضبط مفهوم العدالة الانتقالية ضمن إطار مؤسسي يمنع انزلاقه إلى الانتقام الجماعي، مع الإبقاء في الوقت نفسه على مسار محاسبة لا يستثني الجرائم الجسيمة.

في هذا السياق، يبرز، وفق متخصصين في القانون الدولي، تأكيد الرئيس الشرع  أن العدالة الانتقالية ليست فعلاً آنياً أو ردّ فعل شعبياً مباشراً، بل عملية مؤسسية طويلة تتطلب معايير واضحة ومرجعية قانونية متماسكة، هذا التوجه يعكس إدراكاً لمخاطر التحول من العدالة إلى الثأر، وهو إشكال رافق تجارب دول عديدة بعد النزاعات، حيث أدّى غياب الأطر المؤسسية إلى إعادة إنتاج العنف بدل احتوائه.

إشارة خطاب الرئيس الشرع إلى تجارب دول مثل البوسنة ورواندا تلمح إلى محاولة استلهام نماذج دولية في إدارة ما بعد الصراع، وخصوصاً ما يتعلق بآليات المحاسبة، ولجان الحقيقة، والتدرج في المساءلة، غير أن استحضار هذه النماذج لا يعني بالضرورة نقلها حرفياً، بل تكييفها مع السياق السوري الذي يتميز بتعقيد بنيوي في البنية الاجتماعية وتعدد مستويات الانقسام السياسي والأمني.

من زاوية أخرى، يرتبط ملف العدالة الانتقالية في الخطاب بإعادة بناء المؤسسات الأمنية، وهو ربط ذو دلالة مهمة، فإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية تأتي هنا شرطاً لازماً لتمكين العدالة ذاتها، إذ لا يمكن لأي مسار محاسبة أن يكون فعالاً دون جهاز أمني معاد هيكلته، يمتلك شرعية قانونية وضوابط مهنية تمنع الانتهاكات وتضمن تنفيذ القانون بدل تجاوزه.

كما يعكس كلام الرئيس الشرع محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال التأكيد على أن بعض القرارات لا تخضع بالكامل لضغط الرأي العام، بل لاعتبارات قانونية ومؤسساتية، وهذا الطرح يفتح نقاشاً حول حدود الاستجابة السياسية للمطالب الشعبية، مقابل ضرورة الحفاظ على تماسك المسار الانتقالي وعدم تسييله في ردود فعل آنية.

أما الإشارة إلى استثناء الجرائم الكبرى من أي عفو، فهي تؤسس لقاعدة تمييز بين مستويات الفعل الجنائي والسياسي، بما ينسجم مع منطق العدالة الانتقالية في تجارب متعددة، حيث لا يُساوى بين الانتهاكات الفردية والجرائم المنظمة الواسعة النطاق.

وفق ما سبق، يمكن القول إن الرؤية المطروحة في خطاب الرئيس الشرع تسعى إلى بناء توازن دقيق بين المحاسبة والاستقرار، وبين العدالة وعدم انهيار المؤسسات الوليدة، وهو توازن يبقى اختباراً عملياً أكثر منه إعلاناً نظرياً، ويتوقف نجاحه على قدرة الدولة على تحويل هذه المبادئ إلى إجراءات شفافة وقابلة للتطبيق.

| الوطن – أسرة التحرير