سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

العواجل السورية: إشعال الحقل أم إطفاء البيدر؟

‫شارك على:‬
20

العنوان المثير “المانشيت” حق حصري للصحفي والمؤسسة، وعنصر جذب للقارئ. يسميه الفرنسي “أمبيلاج” كناية عن التزويق والزخرفة والتغليف، والأميركي بـ”البياع”، إشارة إلى السوق. لكن المتن وترتيب وتقديم الإجابات عن الأسئلة الخمسة، إضافة إلى السياق أو غيابه، يكشفان الانحياز وعدم مهنية المؤسسة، وربما رغبتها في تفجير الشارع ودفعه إلى موقف منحاز. وهو ما يعرف بدور المال السياسي في الإعلام، الذي تحاربه الدول والقوانين لخطورته وقدرته على خلق صراعات في الفضاء العام.

الإثارة في العناوين لمصلحة سوق الإعلام وتنافسه حق، ولكن ليس على حساب الحقيقة والوقائع والتوازن وعرض وجهات النظر كافة في المتن والسياق.

الحالة السورية دوماً أكثر خصوصية، لطبيعة المرحلة الانتقالية أولاً، وما تعانيه البلاد أصلاً من تركة ثقيلة في الانقسام المجتمعي والسياسي كنتيجة حتمية لسنوات ما بعد الثورة وانتصارها على مخلفات النظام البائد عبر عقود طويلة.

الخصوصية السابقة، كحالة استثنائية، توجب الجانب الأخلاقي في رسالة الإعلام، و”العد للعشرة”، وخلق حساسية دائمة لدى الصحفي والمؤسسة حول ارتدادات الخبر أو التقرير أو التحقيق. فإن كان لمصلحة الجمهور فمصلحة العموم مقدمة، وإن كان هناك احتمالية لاصطدام الشارع و”تهيّجه”، فالأخلاقيات المهنية توجب استثمار الأدوات الإعلامية للتقليل من “حمولته”. فالإعلام رسالة ومسؤولية وأمانة، وتقديم مصلحة الناس على السبق الصحفي أو “الخبطة” أو “الترند”. ودور الإعلامي المهني ليس “تفجير” الخلافات وتأليب الأطراف على بعضها، فـ”تفجير” الشارع قد يفجر المهنة ذاتها، وإذا اشتعلت النيران فالكل مهدد بالانهيار، وليست الصحافة في حماية أو معزل.

الصمت ليس هو الحل، فهذا دور العاجز.

تفعيل أخلاقيات العمل الصحفي، ووضع مصالح البلد والناس كأولوية، ونقل الصورة كاملة كما هي. شرح السياق مهم هنا: الأسباب، الوقائع، التوازن، تقديم الرأي الأكثر عقلانية على الانفعالي، والتذكير بمقاربات مشابهة، فلسنا الاستثناء. سنة الله في خلقه التدافع، والتذكير بتجارب الخروج من عنق الزجاجة.

هل تتحمل الأخبار ذلك؟

إذا كانت الصحافة سلطة رابعة، وخادمة لجمهورها وبلدها، وهدفها عدم جر الناس إلى اصطفافات سياسية وتركهم أصحاب القرار في خياراتهم، فنعم، ممكن.

بذل أقصى جهد، ومراجعة وتمحيص وتشاور قبل النشر، ومعرفة قراءة استباقية لردات الفعل ومداها وتحولاتها.

لا تتطلع إلى المتسابقين حولك، فاليوم سيمضي، وستتذكر الناس من خدمها في محنتها ووقف معها، ومن استثمر في أوجاعها فباع واشترى أخباراً ووصولاً ونجاحاً مؤقتاً.

تريد أمثلة تطبيقية لا تنظيراً عابراً حمّال أوجه؟ حسناً، سأحاول تذكيراً.

عواجل الأمس في تظاهرات السوريين، وانتقالها بين المدن السورية، يمكن التطبيق عليها ودراستها بمنهجية وأخلاقيات العمل الإعلامي، وتحديداً في البيئات الهشة كالحالة السورية.

تكرار العواجل، والريلز، والسكولر، بالتركيز على “قتلى وسحل” في الشوارع وصور حرق سيارات وممتلكات شخصية للمتهمين “شبيحة وفلول”، كأنه دعوة وتحفيز للمشاركة. التكرار هنا ليس خبرياً صرفاً، لأنه بعد مظاهرات إدلب فقد قيمته الخبرية، وأعطى الفرصة للأخلاقيات المهنية لتستعيد توازنها وترصد الواقعة الأولى: تداعيات وأسباب، خلفيات ودوافع، والاتصال بكل الأطراف وتقديم الخدمة المتوازنة للجمهور.

كلما غيبت طرفاً ظهر الانحياز، وكلما تأخرت في تقديم السياق الذي جاءت لأجله المطالب ظهر الانحياز، وكلما قدمت الحدث بمعزل عن سياقاته المشابهة في دول عانت كسورية ظهر الانحياز.

هذا ليس اصطفافاً مع السلطة، أبداً، بل هو واجب المهنة وأخلاقياتها. مزيد من الجهد، والتغطية، والبحث، والشرح، وتوضيح الملابسات، واحترام حقوق الناس ومطالبهم، ومصارحتهم بحجم التحديات الموروثة وصعوبات التطبيق، بدءاً من الجهاز الشرطي الناشئ، وصولاً إلى الجسم القضائي وموجبات تطهيره، وليس انتهاءً بقانون الجرائم ضد الإنسانية غير الموجود أصلاً في القانون السوري.

مناطق ديمغرافية يتجاوز عدد سكانها ربع مليون سوري لم يكن فيها أصلاً قبل الثورة أكثر من وحدة شرطية ومحكمة مدنية أو شرعية، فكيف اليوم وقد اشتعلت المطالب المحقة ووجب تنفيذها بالسرعة القصوى؟

ليس هذا المثل الوحيد الذي يمكن استحضاره في “العواجل”.

قبله عشنا واقعة الامتحانات الإعدادية والثانوية وعرضها بطريقة مجتزأة: أسئلة إدلب ودمشق والقامشلي والسويداء.

طوفان نهر الفرات في الجزيرة السورية، قصص” الخطف والسبي” يوميات السوري تحولت كلها “لعواجل”.

حتى في الاقتصاد، هناك عواجل وتقارير تريد جر الجمهور إلى زاوية المواجهة والثورة بطريقة سياسية أكثر منها مهنية.

يتذكر القارئ “عواجل” خروج مجموعة الحبتور الاستثمارية منذ أيام، وبما مثلته من الحضور الإماراتي، وتحليلات انهيار الاقتصاد السوري، ودق نواقيس التقارير الصحفية لواقع “التشليح” والمحاصصة و”الشيوخ”.

لكن مدير المجموعة خرج بتوضيح ثانٍ وثالث، ولم تؤخذ كـ”عواجل”. أليس هذا سؤالاً يستحق رداً؟.

أخلاقيات المهنة تستوجب منذ التصريح الأول التواصل معه ونقل وفهم وجهة نظره، لكن “البياطرة ” فضلوا التعلم بأجسادنا المتعبة والمريضة.

لا تعويل إلا على حصافة القارئ وتذكيره بالمقارنات بين العواجل وتبنيها، لمعرفة مدى تقيد الصحفي بأخلاقيات واجبة وليست خياراً في الحالة السورية.

ويبدو أننا سنمضي وقتاً ليس قصيراً أمام نسختين من “العواجل” تحتاج دائماً إلى الوقوف والتمعن بالمضامين، ومعرفة من يطبق الأعراف المهنية، ومن يتجاوزها، فنتجاوزه أقلها.

” الحقيقة لا تحتاج إلى تجميل” يقول رئيس المجموعة الاقتصادية الإماراتية، وقد ضاق ذرعاً بإعلام يختطفها ويشوهها، مضيفاً: “لكنها أيضاً لا تستحق أن تُشوَّه أو أن تُقتطع منها أجزاء تخدم رواية معينة أو أجندة محددة”.

تساءلت بنفسي إذا كان المرتاح يقول هذا، فماذا يقول السوري أمام عواجل وانحيازات “تنهش” ثورته ومستقبله؟

بعض الحرائق تبدأ بعنوان، فلنتمهل ونحرص بسوق “تداولها” والتعاطي معها.. وبعض الأوطان تدفع ثمن كلمة لم تُراجع جيداً قبل نشرها.

المهمة صعبة لكنها واجبة وطنياً ومهنياً قبل فوات الأوان.