سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من باكو… هل يُعاد تشكيل النظام المالي السوري عبر بوابة “التمويل الإسلامي”؟

‫شارك على:‬
20

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار عادةً إلى الملفات السياسية أو الإنسانية المرتبطة بسوريا، برزت في العاصمة الأذربيجانية باكو ملامح مسار مختلف تماماً: محاولة إعادة تموضع اقتصادي هادئ، لكنه عميق الأثر، تقوده وزارة المالية عبر بوابة التمويل الإسلامي.

فما جرى في اجتماعات البنك الإسلامي للتنمية، واللقاءات مع مجلس الخدمات المالية الإسلامية، لا يبدو مجرد حضور دبلوماسي في مؤتمر دولي، بل أقرب إلى اختبار أولي لفكرة أكبر: هل يمكن للقطاع المالي الإسلامي أن يصبح العمود الفقري لإعادة هيكلة النظام المالي السوري في المرحلة المقبلة؟

تحوّل في اللغة الاقتصادية: من الدعم إلى “هندسة النظام المالي”

اللافت في الخطاب الرسمي السوري خلال الاجتماعات لم يكن فقط الحديث عن التعافي أو إعادة الإعمار، بل انتقاله إلى مفردات أكثر تقنية وعمقاً: تطوير الخدمات المالية الإسلامية، إعداد خريطة طريق للقطاع المالي، دراسة إصدار الصكوك، وبناء بيئة استثمارية جاذبة وفق معايير ثقة قابلة للقياس.

هذا التحوّل في اللغة ليس تفصيلاً شكلياً

بل هو مؤشر على أن النقاش لم يعد يدور حول “تمويل مشاريع” فقط، بل حول إعادة تعريف آلية التمويل نفسها داخل الاقتصاد السوري.

التمويل الإسلامي كخيار بنيوي لا تمويلي

التحرك نحو مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB)، يفتح باباً مختلفاً عن القنوات التقليدية للتمويل. فالنقاش لم يقتصر على التعاون، بل امتد إلى:

تقييم الفجوات في القطاع المالي السوري،

بناء إطار تنظيمي للخدمات المالية الإسلامية،

دراسة إدخال الصكوك كأداة تمويل سيادية ومحلية.

مواءمة النظام المالي مع المعايير الدولية

وهنا تتضح الفكرة الجوهرية

وفق ما أكده للوطن الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى مبيناً أن التمويل الإسلامي لا يُطرح كأداة مساعدة، بل كنموذج بديل محتمل لإعادة هيكلة جزء من المنظومة المالية.

البنك الإسلامي للتنمية: من ممول مشاريع إلى شريك إعادة تشكيل

في موازاة ذلك، جاء حوار وزير المالية  مع البنك الإسلامي للتنمية ليعكس مستوى أعلى من الطموح، يتجاوز مجرد التمويل إلى مفهوم الشراكة التنموية طويلة الأمد.

النقاش شمل أولويات التمويل، ومعالجة الالتزامات السابقة، واستكشاف دور البنك في دعم مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية.

لكن الأهم من ذلك هو الرسالة السياسية-الاقتصادية الضمنية:

إن سوريا تحاول إعادة فتح نافذة ارتباط مؤسسي مع أحد أهم أذرع التمويل الإسلامي عالمياً، ليس كمتلقٍ للمساعدات، بل كطرف يسعى لإعادة الاندماج في منظومة تمويل قائمة على الشراكات.

جوهر الرسالة: الاقتصاد قبل السياسة… لكن بثقة مشروطة

وأشار المصطفى إلى أن المتابع يجد أن العديد من  الجلسات، تكررت فكرة مركزية على لسان الوفد السوري: بناء الثقة مع المستثمرين والجهات الممولة.

هذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل ثقل المرحلة المقبلة بالكامل.

ففي الاقتصاد الدولي، لا يكفي إعلان الإصلاحات، بل يجب إثبات قابلية النظام المالي للعمل وفق قواعد شفّافة ومستقرة.

ولهذا، ارتبط الحديث عن التمويل الإسلامي بسلسلة من الأولويات:

الاستقرار المالي؛ وتطوير البنية التحتية إضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية وتهيئة بيئة تعيد السكان إلى مناطقهم وتخلق فرصاً إنتاجةبمعنى آخر، _ حسب المصطفى _ التمويل ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة تشغيل الاقتصاد.

لماذا التمويل الإسلامي تحديداً؟

الرهان على التمويل الإسلامي ليس اختياراً عابراً، بل يعكس عدة اعتبارات عملية:

أولاً، تنوّع أدواته مثل الصكوك التي تسمح بتمويل مشاريع من دون الاعتماد الكامل على الاقتراض التقليدي.

ثانياً، اتساع شبكة مؤسساته في العالم الإسلامي، ما يفتح قنوات تمويل بديلة نسبياً عن النظام المالي الغربي التقليدي.

ثالثاً، مرونته في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية طويلة الأجل.

لكن الأهم من ذلك هو أن هذا النموذج يتيح إعادة إدخال سوريا تدريجياً إلى النظام المالي الدولي من “بوابة أقل صدامية” وأكثر تخصصاً.

بين الطموح والاختبار الحقيقي

ما جرى في باكو يمكن قراءته كبداية مسار، لا كنقطة تحوّل مكتملة.

فإعادة بناء نظام مالي قائم على التمويل الإسلامي تتطلب أكثر من اجتماعات ومذكرات تفاهم.

تتطلب: بيئة قانونية مستقرةوشفافية مالية قابلة للقياس.

قدرة على تنفيذ الإصلاحات لا إعلانها فقط.

ثقة طويلة الأمد من المؤسسات المالية الدولية

من دون هذه العناصر، يبقى التمويل الإسلامي فكرة واعدة على الورق أكثر منه أداة فعلية للتغيير.

باختصار: باكو ليست محطة… بل اختبار اتجاه  بين الاجتماعات واللقاءات والحوارات الفنية، يظهر أن سوريا تحاول فتح مسار اقتصادي جديد عنوانه: إعادة هندسة النظام المالي عبر التمويل الإسلامي.

لكن السؤال الحقيقي ليس في النيات، بل في القدرة على التنفيذ. فهل تكون باكو بداية مسار مالي جديد؟

أم مجرد محطة أخرى في سلسلة محاولات إعادة التموضع؟

الإجابة لن تُكتب في البيانات الرسمية… بل في قدرة الاقتصاد السوري على تحويل هذا التوجّه إلى نظام مالي فعّال، مستقر، وقادر على استعادة الثقة.