ليس كل يوم تمنح فيه الفرصة لتستمع إلى الاقتصاد وهو يُقال كما يعاش، لا كما يدرّس، ففي هذه الندوة الحوارية التي أقامتها اليوم جمعية خريجي الكليات والمعاهد التجارية، حيث بدا المشهد أقرب إلى غرفة تفكير مفتوحة منه إلى قاعة محاضرات تقليدية، أسئلة تُلقى بلا تحفظ، وأفكار تُختبر أمام الجمهور مباشرة، ونقاش لا يحاول تجميل الواقع بقدر ما يحاول تفكيكه.
الباحث الاقتصادي محمد الحلاق سلط الضوء على بعض المفاهيم الاقتصادية من وجهة نظر قطاع الأعمال، حيث بدا المشهد أقرب إلى تفكيك حيّ للواقع الاقتصادي منه إلى عرض أكاديمي تقليدي. جلسة حوارية مفتوحة على الأسئلة الحساسة، ونقاش لا يتردد في الاقتراب من المناطق الأكثر جدلًا في السوق.
الحلاق لم يكن محاضراً تقليدياً بقدر ما كان قارئاً للواقع الاقتصادي من الداخل يضع السوق والسياسات والقرارات تحت مجهر مباشر، من دون لغة تجميل أو مواربة.

اقتصاد الاستيراد…
في أحد أكثر المحاور حساسية، أشار الحلاق إلى واقع الاستيراد في بعض الحالات، حيث يتم اللجوء أحياناً إلى الاستيراد عبر أسماء مختلفة أو غير مباشرة، حيث لم يُطرح الموضوع بصيغة اتهام، بل كنافذة لفهم كيف يدفع التعقيد التنظيمي والسوقي بعض الفاعلين إلى البحث عن مسارات بديلة، تعكس ضغط الواقع أكثر مما تعكس رغبة بالالتفاف.
سعر الصرف… “الوهمي” الذي يشتري ويُباع فعلياً
ثم جاء ملف سعر الصرف، وهو من أكثر النقاط إثارة للجدل دائماً. هنا كان الطرح حاسمًا: ما يُسمى أحياناً “سعراً وهمياً” للدولار ليس وهماً في الواقع، بل هو سعر حقيقي في السوق، لأن عمليات البيع والشراء تتم عليه فعلياً.
لكن الإشكال الحقيقي، كما طُرح، لا يكمن في وجود السعر، بل في كونه لا يعكس كامل الحالة الاقتصادية، ما يسبب فجوة مستمرة بين سعر السوق والواقع الاقتصادي الأوسع.
الرواتب والقطاعان العام والخاص… معادلة لا تحتمل الانفصال
انتقل النقاش إلى العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وخاصة ملف الرواتب، وكانت الرسالة واضحة: لا يمكن لأي سياسة رفع أجور أن تنجح إذا تمّت بمعزل عن القطاع الخاص، فالسوق منظومة واحدة، وأي قرار أحادي الاتجاه ينعكس مباشرة على الأسعار والتوازن العام، ويعيد تشكيل معادلة العرض والطلب بشكل غير محسوب.
الطاقة والحماية الاجتماعية… الاقتصاد بوجهه الإنساني
في محور الطاقة، خرج النقاش من الأرقام إلى الحياة اليومية.. ارتفاع التكاليف لم يُناقش كمعادلة مالية فقط، بل كعبء مباشر على المعيشة. ومن هنا برزت فكرة شبكات الحماية الاجتماعية كأداة ضرورية لتخفيف أثر التحولات الاقتصادية على الفئات غير القادرة، بما يحفظ الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي.
القرار الاقتصادي.. حين يصبح التوقيت أهم من الصحة
أحد أكثر الطروحات كان حول توقيت القرار، والفكرة الجوهرية هنا أن القرار الاقتصادي قد يكون صحيحاً في مضمونه، لكنه يفشل بالكامل إذا جاء في توقيت خاطئ.
بمعنى آخر: الاقتصاد لا يكافئ النيات، بل النتائج المرتبطة بالزمن. وقد يكون هذا من أكثر ما يربك صانع القرار: أن يكون على صواب نظرياً، لكنه يخسر عملياً بسبب التوقيت.
الإيجارات.. سوق يعيد تشكيل نفسه بصمت
عند الحديث عن الواقع السوقي، توقف الحلاق عند ظاهرة ارتفاع الإيجارات التجارية، موضحاً كيف أدت التحولات الأخيرة في السوق إلى ارتفاع كبير في بدلات الإيجار، ما دفع بعض أصحاب المحال إلى ترك مواقعهم القديمة والبحث عن بدائل أصغر أو أقل تكلفة. كما أشار إلى أن هذا الارتفاع دفع بعض المالكين إلى المطالبة بزيادات كبيرة أو إخلاء العقارات، ما أدى في بعض الحالات إلى بقاء محال فارغة وخسارة قيمة تأجيرية كانت مستقرة سابقاً.
ومن الأفكار اللافتة أيضاً طرح مفهوم ترجيح الأولويات، حيث لا يمكن التعامل مع كل القضايا الاقتصادية على أنها متساوية في الأهمية، فبعض الملفات يجب أن تُمنح وزناً أكبر لأنها تؤثر في مجمل النظام الاقتصادي، تماماً كما تُوزّع العلامات حسب الأهمية لا المساواة.
ومن هنا جاء نقد غير مباشر لطريقة التعامل مع بعض القضايا، حيث يتم أحياناً تضخيم ما هو ظاهر، وإهمال ما هو مؤثر فعليًا.
أسئلة أعمق:
في نهاية المحاضرة، لم تُقدّم خلاصات نهائية بقدر ما تم فتح المزيد من الأسئلة.، حيث أكد الحلاق ل”الوطن ” أن كل ما طُرح هو مجموعة إضاءات على قضايا متفرقة، وليس معالجة نهائية أو مغلقة، فبعض هذه القضايا يحتاج إلى أكثر من جلسة، وربما إلى جلسات عصف ذهني إضافية تجمع وجهات نظر متعددة، وأن الهدف من الندوة هو تبسيط الاقتصاد وجعله أقرب لفهم الإنسان العادي، سواء كان مستثمراً أو طالباً أو متابعاً مهتماً، مع ترك الباب مفتوحاً لمن يرغب بالتعمق لاحقاً في التفاصيل.








