يشير تقرير حديث للبنك الدولي إلى تداعيات الحرب على الاقتصادات العالمية، موضحاً أن اقتصادات الشرق الأوسط وإفريقيا، لا سيما الدول المستوردة للطاقة وذات الحيز المالي المحدود، كانت الأكثر تأثراً بهذه التوترات.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور خليل حمدان، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، ل”الوطن” أن الاقتصاد العالمي استطاع حتى الآن امتصاص جزء كبير من آثار الحرب، رغم المخاوف المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد، محذراً من قراءة هذه المعطيات كمؤشر تفاؤل، إذ إن التقرير لا ينفي وجود آثار اقتصادية للحرب، بل يكشف عن امتلاك الاقتصادات الكبرى مرونة وقدرات مؤسسية مكنتها من التكيف بصورة أفضل من غيرها، فالفرق الجوهري بين الدول ليس في حدوث الصدمة من عدمه، بل في القدرة على احتواء آثارها.
المرونة الاقتصادية كأولوية وطنية

طرح حمدان تساؤلات جوهرية حول ما يمكن لسوريا تعلمه في مرحلة إعادة البناء، مؤكداً أن التجارب الأخيرة أثبتت أن الدول الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات ليست بالضرورة الأسرع نمواً، بل هي التي تمتلك مرونة اقتصادية كافية للتكيف مع المتغيرات المفاجئة.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى التركيز على بناء اقتصاد يتحمل الصدمات وعدم الاكتفاء بمؤشرات نمو مؤقتة، مشدداً على أن قوة الاقتصاد تقاس بقدرته على العمل بكفاءة تحت الضغوط، لتصبح المرونة الاقتصادية بذلك أحد أهم أعمدة الأمن الوطني والاستقرار المجتمعي في ظل تسارع المتغيرات العالمية.
دعم الإنتاج المحلي: خط الدفاع الأول
شدد حمدان على أن زيادة اعتماد الدولة على إنتاج احتياجاتها الأساسية يقلل بشكل طردي من تأثرها بالتقلبات العالمية، داعياً إلى تعزيز القطاعين الزراعي والصناعي ومعالجة تحديات الطاقة، وتسهيل بيئة الأعمال للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح أن كل زيادة في الإنتاج المحلي تعني تخفيف الضغط على الاستيراد وتحسين الميزان التجاري، ما يعزز القدرة على التحكم بالمصير الاقتصادي، فالدول المنتجة هي الأكثر صموداً حين تضطرب الأسواق العالمية.
تنويع مصادر الدخل وتوزيع المخاطر
أكد أستاذ إدارة الأعمال أن الأزمات المتتالية أثبتت خطورة الاعتماد على مصدر واحد للدخل، داعياً في الحالة السورية إلى ضرورة تنشيط كل القطاعات الإنتاجية وتطوير الخدمات والاقتصاد الرقمي، و تشجيع الاستثمارات والاستفادة من الكفاءات السورية في الداخل والخارج.
وأوضح أن التنويع الاقتصادي الحقيقي يعني توزيع المخاطر لضمان عدم تحول أزمة في قطاع واحد إلى كارثة تطول الاقتصاد بكامله، ما يزيد من حصانة الاقتصاد أمام التقلبات المفاجئة.
التحول الرقمي كضرورة تنافسية
لفت حمدان إلى أن المؤسسات الأكثر قدرة على الاستمرار هي التي تمتلك بنية رقمية متطورة، مشيراً إلى أن تسريع التحول الرقمي في القطاعين الحكومي والخاص لم يعد ترفاً إدارياً، بل هو شرط أساسي لرفع الكفاءة وتخفيض التكاليف وتعزيز الشفافية.
وأضاف: إن المنافسة الاقتصادية اليوم باتت مرتبطة بقدرة الدول على توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، ما يعد ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات وتحسين جودة الخدمات العامة.
نحو إستراتيجية استشرافية لإدارة المستقبل
دعا حمدان إلى ضرورة الانتقال من “إدارة الأزمات” التي تركز على معالجة التحديات الآنية، إلى “إدارة المستقبل” القائمة على التخطيط الاستراتيجي واستشراف المخاطر قبل وقوعها.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء خطط بديلة ومؤسسات لا تنتظر وقوع الأزمة لتبحث عن حلول، بل تبني قدراتها بأسلوب يجعلها مستعدة للتعامل مع المجهول، مؤكداً أن الاقتصادات الناجحة هي التي تتعلم من كل أزمة لتخرج منها أكثر قوة.
وختم حمدان بالتأكيد أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى رؤية متكاملة تركز على دعم الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية والشراكة بين القطاعين العام والخاص، فالدرس الأهم عالمياً هو أن الأزمات مستمرة بأشكال مختلفة، والميدان الحقيقي للمنافسة هو القدرة على الاستعداد والتعافي السريع.
وعليه، فإن بناء المرونة الاقتصادية أصبح ضرورة وطنية ملحة، إذ إن الأزمات العالمية قد لا تكون تحت سيطرتنا، لكن بناء اقتصاد أكثر قدرة على التكيف هو قرار استراتيجي يمكن اتخاذه اليوم لضمان الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة في المستقبل.








