في الوقت الذي تظهر فيه مؤشرات على تحسن نسبي في سعر صرف الليرة السورية تبقى ظاهرة الدولرة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني باعتبارها تعكس أزمة ثقة تراكمت على مدى سنوات ولم تعد مرتبطة فقط بحركة سعر الصرف بل بطبيعة السلوك الاقتصادي للأفراد والشركات.
ويرى أستاذ المصارف والتمويل في جامعة حماة الدكتور عبدالرحمن محمد في تصريح لـ”لوطن” أن الظروف الاقتصادية القاسية التي مرت بها سوريا منذ عام 2011 فرضت واقعاً نقدياً جديداً تمثل في اتساع ظاهرة الدولرة باعتبارها وسيلة دفاعية اعتمدها السوريون لحماية مدخراتهم وقدرتهم الشرائية في مواجهة التراجع الكبير في قيمة الليرة.
ويؤكد أن الدولرة لم تعد مجرد استخدام للدولار في بعض المعاملات بل تحولت إلى تغيير جذري في وظائف النقود الأساسية حيث أصبح الدولار مخزناً للقيمة ووسيطاً للتبادل ووحدة للمحاسبة في عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية.

وحسب تقديرات غير رسمية تجاوزت نسبة الدولرة في الاقتصاد السوري 70 بالمئة إذ باتت معظم السلع الإستراتيجية مثل العقارات والسيارات والأجهزة الإلكترونية تسعر بالدولار بشكل مباشر بينما ترتبط أسعار كثير من السلع اليومية بسعر صرف الدولار حتى وإن كانت تباع بالليرة كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 بالمئة من الودائع المصرفية أصبحت بالعملات الأجنبية.
ويبين محمد أن استمرار هذه الظاهرة يحد بشكل كبير من قدرة السياسة النقدية على أداء دورها إذ يفقد المصرف المركزي جزءاً مهماً من أدواته في إدارة الكتلة النقدية وضبط التضخم كما يؤدي إلى ترسيخ حالة من عدم اليقين تجعل أي تحسن في قيمة الليرة محدود الأثر وسريع التراجع بسبب ضعف الثقة بها.
ويضيف إن التداعيات الاجتماعية لا تقل خطورة عن الآثار النقدية إذ تتحمل الشرائح المحدودة الدخل العبء الأكبر لأنها تتقاضى أجورها بالليرة في حين ترتبط أسعار معظم السلع والخدمات بالدولار الأمر الذي يوسع فجوة الدخل ويزيد مستويات الفقر ويضعف القدرة الشرائية.
ويشدد على أن معالجة الدولرة لا يمكن أن تتحقق عبر إجراءات نقدية منفردة وإنما تحتاج إلى مقاربة اقتصادية متكاملة تبدأ بإعادة بناء الثقة بالاقتصاد الوطني وتعزيز الاستقرار وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتحفيز الإنتاج المحلي بما يعيد الاعتبار لليرة كعملة ادخار وتداول وتسعير.
وتبقى الدولرة في سوريا انعكاساً مباشراً لسنوات طويلة من الاختلالات الاقتصادية وفقدان الثقة أكثر من كونها مجرد خيار نقدي ولذلك فإن استعادة مكانة الليرة لن تتحقق بقرارات إدارية أو بتحسن مؤقت في سعر الصرف بل عبر بناء بيئة اقتصادية مستقرة تعيد الثقة بالعملة الوطنية وتمنحها دورها الطبيعي في النشاط الاقتصادي.








