يعتبر دخول شركة “زين” العالمية إلى السوق السورية اختباراً عملياً لقدرة الاقتصاد السوري على استعادة ثقة المستثمرين الأجانب بعد سنوات من التحديات.
فالاستثمار المعلن، الذي تتجاوز قيمته ملياراً ونصف المليار دولار، يحمل أبعاداً تتجاوز تحديث شبكات الاتصال، ليضع بيئة الاستثمار السورية أمام امتحان حقيقي يتعلق بقدرتها على جذب رؤوس الأموال الكبرى وإدارتها بكفاءة.
وبحسب التقديرات المعلنة للمشروع، فإن هذا الاستثمار لا يقتصر على قيمة رخصة التشغيل أو تحديث البنية التحتية، بل يُتوقع أن يحقق أثراً اقتصادياً مضاعفاً قد يرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 3.4 مليارات دولار خلال السنوات العشر الأولى، إلى جانب توفير نحو 16.8 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

من الناحية الاقتصادية، يمثل ذلك فرصة لتحريك قطاعات مرافقة مثل المقاولات، وموردي المعدات، وشركات البرمجيات، ومراكز البيانات، والخدمات اللوجستية، بما يوسع دائرة النشاط الاقتصادي.
القيمة الحقيقية للمشروع لا تقاس بحجم الأموال المستثمرة وحده، بل بقدرته على صناعة قصة نجاح استثمارية تراقبها الشركات الإقليمية والدولية عن كثب، فالمستثمر لا يبني قراراته على الوعود، بل على مؤشرات ملموسة، أبرزها الاستقرار التشريعي، وسرعة إنجاز المعاملات، واحترام العقود، ووضوح السياسات الاقتصادية. نجاح هذه التجربة، فقد تمهد الطريق أمام استثمارات جديدة في قطاعات الطاقة، والصناعة، والسياحة، والخدمات والتكنولوجيا.
وعلى المستوى التقني، يشكل إدخال خدمات الجيل الخامس (5G)، إلى جانب استثمارات تقدر بنحو 800 مليون دولار لتطوير البنية التحتية، خطوة أساسية نحو بناء اقتصاد رقمي أكثر تطوراً، فكل تحسن في قطاع الاتصالات ينعكس مباشرة على التجارة الإلكترونية، والخدمات المصرفية الرقمية، والتعليم والصحة عن بعد، والشركات الناشئة، كما أن تخصيص 5 ملايين دولار لدعم منظومة رؤوس الأموال الجريئة يعكس توجهاً نحو تعزيز بيئة الابتكار وريادة الأعمال.
ورغم ذلك، تبقى القدرة الشرائية المحدودة للمواطنين أحد أبرز التحديات أمام تحقيق العوائد المتوقعة، إلا أن الشركات العالمية غالباً ما تنظر إلى الإمكانات المستقبلية للأسواق أكثر من تركيزها على ظروفها الراهنة، مستندة إلى حجم السوق وفرص النمو على المدى الطويل.
في النهاية، الاقتصاد السوري يقف اليوم أمام اختبار لدخول مشغل اتصالات جديد و أمام اختبار لبيئة الاستثمار بأكملها، فإذا نجحت هذه التجربة، فلن تكون مجرد صفقة في قطاع الاتصالات، بل رسالة عملية تؤكد أن السوق السورية قادرة على استقطاب الاستثمارات الكبرى من جديد.
الوطن – أسرة التحرير







