كشف مدير قطاع الاتصالات في الصندوق السيادي السوري، وسيم صبري، عن تسوية ملف شركة MTN بما يحفظ حقوقها، رغم أن الحكم القضائي لم يكن في صالحها، وذلك في إطار رؤية تقوم على احترام المستثمرين وحماية حقوقهم.
وأكد أن دخول مشغل جديد للاتصالات يعزز المنافسة، ويرفع جودة الخدمات، ويدعم ثقة المستثمرين بالسوق السورية، مشيراً إلى أن الجهات المعنية لم تبحث عن بديل شكلي أو مؤقت، بل عن شركة عالمية قادرة على تطوير قطاع الاتصالات ونقل الخبرات ورفع مستوى الخدمات.
وأضاف أن وجود منافس جديد إلى جانب “سيريتل” من شأنه أن يخلق توازناً صحياً في السوق ويدفع نحو تحسين الأداء والكفاءة بما ينعكس إيجاباً على المواطنين، مؤكداً العمل بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة لضمان دخول المستثمر الجديد وفق مسار قانوني وتنظيمي واضح يحمي مصالح جميع الأطراف.
وشدد صبري على أن قطاع الاتصالات سيكون أحد أبواب استعادة الثقة بالاقتصاد السوري، موجهاً رسالة للمستثمرين بأن السوق السورية مفتوحة أمام الاستثمارات التي تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.
الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أكد للوطن أن دخول مجموعة زين كمشغّل ثانٍ للهاتف المحمول في سورية ليس تبديل لاسم شركة على رخصة بل هو إعادة تشكيل لسوق ظلّ محتكَر عملياً لسنوات.
ولفت إلى أن السوق السورية، التي يقطنها نحو 26 مليون نسمة، كانت تقوم على رخصتي تشغيل خليوي فقط، الأولى لشركة سيريتل والثانية كانت بيد MTN، وهذا ما يُعرف اقتصادياً باحتكار الثنائي، أي وجود لاعبين اثنين يتقاسمان السوق بما يحدّ من المنافسة ويُبقي الأسعار مرتفعة وجودة الخدمة دون المأمول. ونوه عبد الكريم بأن دخول زين مكان MTN يعيد الحياة إلى المنافسة على هذه الرخصة الثانية، ويُفترض أن ينعكس على المشترك السوري في صورة أسعار أكثر تنافسية وتغطية أوسع.
الالتزام الاستثماري
حجم الالتزام الاستثماري وهيكلة الصفقة
يرى عبد الكريم ان حجم الالتزام الذي تقدمت به زين هو المؤشر الأهم، فالشركة ستضخّ نحو 1.5 مليار دولار في السوق السورية، تدفع منها 747 مليون دولار بدل ترخيص يمتد 20 عاماً، وتخصّص ما يقارب 800 مليون دولار لتوسيع وتحديث البنية التحتية للاتصالات، أي الأبراج والكابلات والشبكات، بما في ذلك إدخال خدمات الجيل الخامس التي ترفع سرعات الإنترنت إلى مستويات تتيح الخدمات الرقمية المتقدمة.
وتُهيكَل الصفقة بحيث تملك زين 75% من العمليات المحلية بينما يحتفظ الصندوق السيادي السوري، وهو الذراع الاستثمارية للدولة، بنسبة 25%، وهو ترتيب يحفظ للدولة حصة دائمة في الأرباح من دون أن تتحمل عبء التشغيل والمخاطرة.
ويُعدّ هذا الالتزام برايه واحداً من أكبر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سوريا منذ نهاية 2024، والاستثمار الأجنبي المباشر هو رأس المال الذي تجلبه شركة خارجية لتؤسس أو تدير نشاطاً إنتاجياً داخل البلد، وهو الأثمن لأنه طويل الأمد ولا ينسحب بسرعة كرؤوس الأموال المضاربة.
خلفية الخروج والمسار القضائي
أما النقطة الأكثر دلالة من وجهة نظر الخبير الاقتصادي فهي الطريقة التي خرجت بها MTN، مذكرا بانه في عام 2021 فرض القضاء السوري الحراسة القضائية على الشركة، أي تجريدها من إدارة أصولها وتسليمها لحارس تعيّنه المحكمة، بحجة مخالفات أضرّت بحقوق الخزينة العامة التي كانت تتقاضى 21.5% من الإيرادات، وسبق ذلك مطالبة الشركتين العاملتين بسداد مستحقات تجاوزت 233 مليار ليرة سورية.
مضيفا: بمعنى أوضح، كانت الكفة القضائية في غير مصلحة الشركة، ومع ذلك اختارت الإدارة الجديدة مسار التسوية الودية النهائية في آذار الماضي، أي الاتفاق المتفاوَض عليه بدل فرض الحكم القضائي بالقوة، لتنظيم خروج الشركة وإغلاق النزاع بشكل مرتب يحفظ ماء وجه الطرفين.
الذكاء الاقتصادي وإدارة السمعة الاستثمارية
يرى عبد الكريم أنه هنا يكمن الذكاء الاقتصادي للقرار، حين تتنازل دولة عن موقف قانوني رابح مقابل تسوية تُرضي المستثمر الخارجي، فهي لا تخسر، بل تشتري شيئاً أثمن بكثير من المبلغ محل النزاع، وهو السمعة، فالمستثمر العالمي لا يقرأ الحكم القضائي بمعزل، بل يقرأ الرسالة: هل هذه دولة تستخدم القضاء أداةَ ضغطٍ ومصادرة، أم دولة تحترم العلاقة التعاقدية حتى مع طرفٍ كانت في نزاع معه؟ هذا ما يحدّد ما يسميه الاقتصاديون علاوة المخاطر القطرية، وهي الكلفة الإضافية التي يطلبها المستثمر تعويضاً عن مخاطر العمل في بلد معيّن.
كما ان كل نقطة مئوية تنخفض بها هذه العلاوة تعني مليارات إضافية محتملة من الاستثمار وكلفة تمويل أرخص على الدولة وشركاتها، فالتسوية التي بدت تنازلاً قصير الأمد هي في الحقيقة استثمار في خفض المخاطر السيادية على المدى الطويل.
الأثر الفوري والتسلسل السببي
ويعتبر عبد الكريم أن الدليل العملي على نجاعة هذا النهج أنه أثمر فوراً التسوية مع MTN التي أزالت العقبة القانونية وفتحت الباب أمام رخصة جديدة، وهذه الرخصة بالضبط هي التي جذبت التزام زين بـ1.5 مليار دولار خلال أشهر قليلة. وقال: هذا تسلسل سببي واضح عالج ملف المستثمر القديم بطريقة محترمة، فجاء المستثمر الجديد بثقة، ولو سلكت الدولة طريق المصادرة بالحكم القضائي، لكانت كل شركة عالمية تنظر إلى السوق السورية ستضع في حسبانها احتمال أن تنتهي هي الأخرى تحت الحراسة القضائية يوماً ما.
وأكد الخبير الاقتصادي أن ما جرى يتجاوز قطاع الاتصالات إلى رسالة اقتصادية مؤسِّسة مفادها ان سوريا الجديدة تبني مصداقيتها أمام رأس المال على قاعدة احترام الحقوق وسيادة القانون لا على قاعدة استرداد الأصول بأي ثمن.
وختم عبد الكريم بالقول: يبقى الاختبار الحقيقي في التطبيق، أي في أن يلمس المشترك تحسّناً فعلياً في الأسعار وجودة الخدمة، وأن يجد المستثمر الجديد بيئة تنظيمية مستقرة تترجم هذه الرسالة إلى واقع دائم.





