الخشية على سوريا اليوم والمستقبل، ليس من خلاف الساسة أو الشارع، فهذا طبيعي وبديهي. الخوف من استمرار وتوسع الخلافات والتباين وتشتت مواقف حراس النص والحقيقة، الأمر مثير ومقلق.
العاملون في الفضاء العام، الساسة وقادة الأحزاب وأعضاؤها، بطبيعتهم وجوهرهم يتنافسون على السلطة والمصالح والرؤى. وغالباً الأجنحة القادرة على فك الاشتباك كمرجعيات مجتمعية تتمثل في حراس النصوص التشريعية والقانونية، ورفاقهم حراس الحقيقة وصناعها في الصحافة ويومياتها.
التنازع داخل البنى القانونية ورجالها على تفسير النص.. التشريع.. الإعلان الدستوري.. يماثله تنازع الصحفيين على تفسير الحقيقة، ويوميات الحدث السوري بكل تفاصيلها، حتى بتعريف الصحفي ذاته، مرة ناشط، مؤثر، إعلامي، صحفي. هنا يزداد الشارع فرقة، وتنعكس خلافات الفريقين كأنها عناوين للحقيقة.

بصراحة. ثمة “مطاحشة” لا يفهم سببها ولعنتها سوى المواقف السياسية داخل البنى ذاتها، وتأخر مد اليد من النقابات والاتحادات لمن غادرها مكرهاً، فبقي “بعيداً عن العين فغاب عن القلب”.
السؤال العلقم. بأي بوصلة تسير بلاد متعبة كسوريا، إذا تشظى” النص” وتشظت “الحقيقة”؟
أكثر الفئات تزاحماً في الساحة السورية اليوم هما القانونيون والإعلاميون. صحيح أن المشهد يضم شرائح واسعة وفئات مجتمعية فاعلة، لكن معظمها يدور في فلك هاتين الكتلتين؛ فالنشطاء القانونيون ينتجون القراءات والتفسيرات والمرافعات، بينما تتولى الأذرع الإعلامية نشرها وترويجها وصناعة الرأي العام حولها.
المفارقة أن الفئتين اللتين يفترض أن تشكلا أحد أهم حوامل نجاة سوريا، تبدوان الأكثر انقساماً وتنافراً في داخلهما.
في الجانب القانوني يمكن تلمس أثر المقولة الشعبية: «القصة مو قصة رمانة، قصة قلوب مليانة». فشدة التزاحم والتباين والاختلاف وسط هذه الكتلة تعكس جانباً من الإشكالية السورية الدائرة اليوم.
تابعت بالأمس حواراً على الشاشة، بين عدد من المحامين حول انتخابات مجلس الشعب السوري . تهيأت لقطف ثمار نقاش يجمع أهل القانون وفقهه، فالنص عادةً مرجع لا خلاف عليه، لكن المشهد كان مختلفاً.
يستند أحدهم إلى صوابية ما جرى، بالنظر لقواعد الفقه الدستوري والتجارب المقارنة والإعلان الدستوري ومواده، ليرد الآخر بالنفي والجزم “متكئاً” على السياسة وتحيلاتها، واصفاً تجربة المجلس بالقاعدة لتأسيس “ديكتاتورية جديدة”.
تصاعدت حدة الحوار، حتى تعذّر على المقدم ضبطه. وظل صوت زميلهم الثالث ينادي من دمشق: ” تعالوا وشاركوا بالبناء أفضل من التنظير”.
قراءات متناقضة للنص نفسه، وتضيع للمشاهد، وجرح للدستور والفقه والتجربة.
واستكملت الحلقة خارج الشاشة على صفحات التواصل وسط ترحيب وتهليل وتكبير وشجب وسبّ كل طرف وجمهوره.
إذا كان النقاش لحراس النص التشريعي يأخذ هذه الصورة، وسط غياب مرجعية جامعة في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية والخصوصية، خلاف أبعد من رأي نحتاجه وأقرب إلى مواقف سياسية يمكن تأجيلها.
على الشاشة ذاتها حلقة تستضيف رواد مهنة المتاعب، فتعيد المخاوف المشروعة، ذاتها نريد رأياً وزاوية رؤية بعيدة عن أحادية المشهد، لكن كأنها قدر السوري أن يعيد إشكاليات الأمس القريب “حارة كل من أيده وما تطول”.
أن ينقسم الصحفيون حول أبسط القضايا المهنية: من هو الصحفي؟ ومن يمثل المهنة؟ وما حدودها؟ وكيف يمكن تنظيمها؟ ما المرجعية التي نتفق حولها كقاعدة للرأي والموقف؟ ذلك مؤشر على أن الخلاف تجاوز السياسة ليطول الأسس نفسها؟
الشأن العام السوري أشبه بالنحت في الصخر، ولربما فيه «مغرم لا مغنم» من شدة بؤسه وانقساماته.
فالحروب الطويلة تترك عادة ما يشبه «الاضطراب النفسي الجماعي»، وتفجر نزعات البقاء للأقوى والمنتصر، ويتصاعد الخطاب الثأري بين الأفراد والمجموعات. كما أن التربة السورية الرخوة أتاحت للقوى الإقليمية والدولية أذرعاً ناعمة، إعلامية و”جمعياتية” تتبع لها أكثر مما تنضوي بمشروع وطني لمصلحة الدولة السورية، فزاد الاستقطاب وتعمّق الشرخ المجتمعي.
لكن كل هذه التراكمات يفترض ألا تغتال النص والمرجعية وإمكان إيجاد توافقات ضرورية لعبور المرحلة الانتقالية بأقل الخسائر.
ليس المطلوب صوتاً جمعياً واحداً، ولا رأياً واحداً، ولا قراءة واحدة. الديمقراطية في جوهرها اختلاف. لكنه اختلاف بين الأحزاب، بين القوى المتصارعة، وليس ببنية المرجعيات، ستفقد قدرتها على التأثير، واعتبارها أصلاً كمرجعية.
هل تستطيع دولة خارجة من حرب طويلة أن تنجو من دون حد أدنى من التوافق بين حراس القانون وحراس الحقيقة؟ هنا يبدو الجواب أكثر صعوبة.
من يطمئن السوري البسيط إذا كان المحامي والصحفي نفسيهما عاجزين عن الاتفاق على تفسير ما يجري؟ إلى من يلجأ المواطن حين يسمع من رجل قانون أن إجراءً ما دستوري وضروري، ثم يسمع من آخر أنه مخالفة صريحة للنص؟ وكيف يبني رأيه حين تقدم له المنصات الإعلامية الحدث نفسه بوصفه مرة إنجازاً وطنياً ومرة تبخيساً واستعداداً لمنظومة مستبدة جديدة؟
من عليه واجب المساهمة بالدور البنّاء لقيام العدالة الانتقالية وترميم الثقة بالدولة، وتهدئة الشارع المنقسم أصلاً وجراحه المفتوحة، ومن سيعمل على بناء سردية وطنية مشتركة تمنع انزلاق المجتمع مجدداً إلى العنف؟
المسألة أكبر من حرية رأي، لا تراعي خصوصية المرحلة الانتقالية وظروفها، فغياب المرجعيات المشتركة التي تمنح المجتمع شعوراً باليقين والثقة، قليلاً من الطمأنينة، بعض الهدوء، تشجيعه على الانخراط في التوافقات المجتمعية، أحزاب، هيئات، جمعيات، كلها تقوم على الفكر الجمعي والتوافقات الممكنة.
كيف يطيق”المواطن” من لم يجربها أصلاً وهو يرى ويسمع من ينتمي إليها ضارباً بعرض الحائط أجسامها وقوانينها وتوافقاتها.
أتذكر مشاركتنا في ورشة لإعادة صياغة النظام الداخلي لرابطة الصحفيين السوريين. خمسة زملاء من مشارب مختلف:؛ منشقون وثوريون وقانونيون وأساتذة مخضرمون.. اكتشفنا يومها أن تعريفات الصحفي في الاتحادات العربية والدولية لا تناسب الحالة السورية، وأن علينا تكييف النص مع واقع استثنائي.
كان وضعنا آنذاك صعباً، «يبكي الحجر». الكتلة الأكبر من الصحفيين كانت بلا عمل: مهجرون، عاملون مع فصائل عسكرية أو منظمات مجتمع مدني، صحفيون بأسماء مستعارة خوفاً من بطش النظام البائد وأجهزته الأمنية، وآخرون يرفضون أمر “الإخفاء” خشية من الاختراق وانتهاك الخصوصية.
اعتقدنا يومها أننا أنجزنا مرجعية يمكن الاعتماد عليها” النص” وأن خلافاتنا باتت أهون وألين، و”وراء ظهرنا”، لكن الهيئة العامة كان لها رأي آخر، فانتهى المشروع إلى الفشل، وحملنا إرث ذلك الانقسام إلى ما بعد التحرير حتى هذه اللحظة.
إن رأس جبل الفرقة في الساحة السورية المتمثل، إلى حد بعيد، في جناحي القانون والصحافة. هو انقسام متعدد الطبقات، غذته آثار الحرب، واستمرار خطوط التماس النفسية، والمكبوت المتراكم منذ عقود، إضافة إلى الدور المتزايد للمهجرين والضخ السياسي والإعلامي العابر للحدود السورية.
لكن كل ذلك لا يبرر حجم التنافر، ولا يغفر تغيب المرجعيات التوافقية القادرة على المساهمة في إنقاذ وطن هش، يحتاج إلى الحد الأدنى من الاتفاق لعبور طريق النجاة.
الانقسام الظاهر والعلني في الصحافة السورية، بين معارض للعهد الجديد وكل ما يقوم به، ومؤيد “محتفي” أو محايد”كافي شره” لا يلتقي ولا يستقيم ودور رواد المهنة وحراس الحقيقة وسعيهم وتضحياتهم خلال سنوات الثورة.
الصورة التي ترتسم أمامنا مقلقة، ويزيدها أكثر المشهد ذاته عند حراس النص والتشريع.
وتقدم تجارب الشعوب الخارجة من الحروب درساً مهماً، ففي البوسنة والهرسك، ورغم انتهاء الحرب باتفاق دايتون، احتاج بناء المؤسسات إلى حد أدنى من التوافق بين القضاة والقانونيين ووسائل الإعلام على شرعية المؤسسات الجديدة وتعزيز مرجعيتها وترسيخ توافقاتها. أما لبنان، بعد اتفاق الطائف، فقدم نموذجاً معاكساً، إذ بقيت النخب تتنازع على تفسير الدستور والهوية الوطنية ورواية الماضي، فتكررت الأزمات كأن الحرب انتهت عسكرياً، لكنها استمرت في الوعي واللغة والسياسة، وبات لكل فريق مشرعه ومحامي الدفاع لمشروعه، والناطق الإعلامي باسمه.
لا يعني ذلك أن سوريا ذاهبة إلى إجماع مكروه، وقد ثرنا عليه، أو إلى صوت واحد.. الديمقراطية جوهرها التعدد والاختلاف، حتى داخل مجالس المحامين والقضاء والصحفيين، لكنها لا تكون “بثاً مباشراً” للجمهور، هذا يفقده ثقته بها أصلا.ً
خصوصية اللحظة السورية هي احتياجها على الأقل، إلى حد أدنى من قبول واقعي، مرجعية نثق بها، توافق داخلي، لفريق حراس النص وحراس الحقيقة، توافقات تتفهم الخصوصية ولا تنحاز للسياسة، مبنية على شرعية المؤسسات، وعلى حق المجتمع في امتلاك مرجعيات يمكن الوثوق بها في لحظات التحول الكبرى.







