في أسواقنا، لا تتحرك الأسعار دائماً وفق منطق واضح أو علاقة مباشرة مع التكاليف فعندما يرتفع سعر الصرف تقفز الأسعار سريعا لكن حين ينخفض، يتباطأ هذا الانعكاس أو يتلاشى تماماً، فيبقى المستهلك أمام مشهد لا يعكس التحسن المفترض في الكلفة سواء في الغذاء أو النقل أو غيره من السلع الأساسية.
هذه المفارقة لم تعد تفصيلا عابراً بل أصبحت سمة متكررة في السوق تضع المواطن في موقع المتلقي الدائم لارتفاع الأسعار دون أن يلمس بالمقابل أثر الانخفاضات رغم أن انخفاض سعر الصرف مر عليه أكثر من أسبوع من 145 إلى دون 130 ليرة جديدة وما رافقه من انخفاض في أسعار الوقود وسط تكرار للتبريرات ذاتها: بضاعة قديمة تم شراؤها بسعر مرتفع، أو تكاليف تشغيل ونقل وضرائب لا تسمح بالتخفيض، وهي تبريرات قد تكون صحيحة في حالات محددة لكن الإشكال يظهر حين تتحول إلى قاعدة دائمة تستخدم لتفسير كل ارتفاع بينما لا يعاد النظر بها عند الانخفاض.
المسألة هنا لا تتعلق بالربح المشروع ولا بتحميل التجار وحدهم المسؤولية بل بطبيعة انتقال أثر التكاليف داخل السوق فعندما يصبح ارتفاع الأسعار سريعا وانخفاضها بطيئا أو محدودا فإن ذلك يشير إلى خلل في آلية المنافسة أو ضعف في شفافية المعلومات بما يحدّ من كفاءة السوق في عكس الواقع الاقتصادي الحقيقي.

وهذا النمط ليس محليا بالكامل في توصيفه النظري إذ تشير تجارب الأسواق الحديثة، خصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا إلى عدم تدخل الدولة عادة في تحديد أسعار السلع لكنها تركز على حماية المنافسة ومنع التواطؤ السعري أو إساءة استخدام القوة السوقية كما تشدد القوانين على منع الممارسات التي تضلل المستهلك بما يضمن أن يكون السعر المعروض هو السعر الفعلي دون أعباء خفية أو غير معلنة والفكرة الأساسية هناك ليست ضبط السعر بل ضمان أن تتشكل الأسعار في بيئة تنافسية شفافة تمنع الاحتكار أو التلاعب.
وفي هذا السياق، تبدو أسواق الطاقة مثالاً إضافياً حيث توجد أطر رقابية صارمة لمتابعة نزاهة التداول ومنع التلاعب بالمعلومات أو الأسعار دون أن يعني ذلك تحديد الأسعار بشكل مباشر بل ضمان عدم انحرافها بفعل ممارسات غير تنافسية.
في الحالة المحلية، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من رد الفعل إلى تنظيم أكثر وضوحا وشفافية لا يقوم على التسعير الإداري الجامد بل على آليات أكثر مرونة تربط تكاليف الإنتاج والاستيراد بسعر الصرف وأسعار الوقود وأجور النقل والضرائب لكن الأهم من ذلك هو ضمان وجود قواعد واضحة تعيد النظر في الأسعار عندما تنخفض هذه المؤشرات ضمن سقوف زمنية معقولة بما يمنع الجمود السعري غير المبرر.
كما أن تعزيز الشفافية في سلاسل الاستيراد والتوزيع وتداول وإبراز الفواتير الحقيقية ومراقبة الممارسات الاحتكارية أو أي اتفاقات غير تنافسية يمثل خطوة أساسية لمعالجة الاختلالات التي لا تظهر فقط عند واجهة البيع بل تمتد عبر حلقات الوساطة والتوزيع قبل وصول السلعة إلى المستهلك
أما أجور النقل، فهي جزء لا يمكن فصله عن معادلة الأسعار إذ لا يبدو منطقياً أن ترتفع تلقائياً مع أي زيادة في الوقود أو سعر الصرف ثم تبقى ثابتة عند الانخفاض وهنا تبرز الحاجة إلى آلية واضحة ومعلنة لتسعير النقل، تتم مراجعتها دوريا وفق تكاليفها الفعلية، وبما يضمن وضوحها للمستهلك.
ختاماً إن المواطن لا يطالب التاجر بإلغاء الربح ولا بإدارة الدولة لكل تفاصيل السوق لكنه يطالب بقاعدة بسيطة وواضحة بأن يتحرك السعر في الاتجاهين معاً فإن تسببت التكاليف في ارتفاعه فيجب أ ن ينعكس تراجع التكاليف عليه بالقدر نفسه من الوضوح والسرعة أما حين يغيب هذا التوازن فإن ما يفترض أنه تحسن اقتصادي يبقى غير مكتمل الأثر في حياة الناس ويظل أقرب إلى أرقام في المؤشرات منه إلى واقع في الأسواق ويبقى السؤال لماذا ينخفض السعر بصعوبة حين تنخفض الكلفة، بينما يرتفع بسرعة حين ترتفع؟







