في زيارة وصفت بأنها من أبرز المحطات السياسية والاقتصادية في مسار العلاقات السورية– الفرنسية، توجهت الأنظار إلى دمشق التي استقبلت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارة يُنتظر أن تشهد مباحثات رفيعة المستوى مع الرئيس أحمد الشرع، إلى جانب توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والخدمية، وسط توقعات بأن تشكل هذه الزيارة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وفي قراءة لأبعاد هذه الزيارة وانعكاساتها السياسية والاقتصادية، أكد وزير الاقتصاد والمالية السوري السابق د. عبد الحكيم المصري، في تصريح لـ”الوطن”، أن الزيارة تتجاوز بعدها الدبلوماسي، وتحمل في طياتها رسائل استراتيجية تعكس رغبة فرنسية واضحة في إعادة تموضعها داخل سوريا، سياسياً واقتصادياً.
وقال المصري إن فرنسا تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة محورية في المنطقة، وإن قراءة الزيارة لا يمكن أن تنفصل عن التحولات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بالملف اللبناني، موضحاً أن باريس تدرك أهمية الدور السوري في هذا الملف، وأن الحدود البرية الوحيدة مع لبنان تمر عبر الأراضي السورية، الأمر الذي يجعل دمشق شريكاً أساسياً في أي مقاربة تتعلق باستقرار لبنان ومستقبله.

وأضاف أن لفرنسا مصالح سياسية وتاريخية في كل من سوريا ولبنان، وتسعى اليوم إلى الحفاظ على حضورها ونفوذها في المنطقة عبر تعزيز قنوات التواصل مع دمشق، في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية، وتُعاد صياغة موازين القوى والتحالفات.
وأشار المصري إلى أن الجانب الاقتصادي سيكون العنوان الأبرز للزيارة، لافتاً إلى أن الرئيس الفرنسي يرافقه وفد اقتصادي كبير يضم ممثلين عن شركات فرنسية كبرى ورجال أعمال، هدفهم استكشاف فرص الاستثمار والدخول إلى السوق السورية، في ظل ما تمتلكه البلاد من مقومات استراتيجية تجعلها مركزاً اقتصادياً واعداً في المنطقة.
وأوضح أن سوريا تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً يؤهلها لتكون نقطة ربط رئيسية بين الخليج العربي وأوروبا عبر تركيا والبحر المتوسط، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في مشاريع التجارة الدولية وممرات الطاقة والنقل، مؤكداً أن هذا الموقع يشكل أحد أبرز عوامل اهتمام الشركات الفرنسية.
وأكد أن الوفد الاقتصادي الفرنسي سيركز على دراسة فرص الاستثمار في قطاعات النقل، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والمرافئ، والبنية التحتية، باعتبارها قطاعات تمتلك فرصاً كبيرة للنمو خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتطوير الاقتصاد السوري.
وأضاف أن الساحل السوري يمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية للدولة، لما يتمتع به من موقع استراتيجي على البحر المتوسط، يجعله عقدة رئيسية لممرات التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، وهو ما يفسر الاهتمام الفرنسي المتزايد بهذا القطاع.
وكشف المصري أن من بين المشاريع التي تحظى باهتمام الشركات الفرنسية -احتمالية- تطوير وتشغيل ميناء اللاذقية عبر شركة CMA CGM الفرنسية بعقد طويل الأمد/مثلاً/ قد يصل إلى ثلاثين عاما، معتبرا أن مثل هذه الخطوة، في حال إنجازها، ستعكس رغبة باريس في ترسيخ حضور اقتصادي مستدام داخل سوريا، إلى جانب دورها السياسي في المنطقة.
وختم وزير الاقتصاد والمالية السابق تصريحه بالتأكيد على أن نتائج الزيارة لن تقتصر على توقيع اتفاقيات آنية، بل قد تمهد لشراكات استراتيجية طويلة الأمد، تعيد تنشيط التعاون الاقتصادي بين دمشق وباريس، وتفتح الباب أمام استثمارات جديدة في قطاعات حيوية، بما يعزز موقع سوريا كمحور رئيسي للتجارة والطاقة والاستثمار في المنطقة.








