في خضم الاهتمام الذي تحظى به زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، يبرز جانب اقتصادي لا يقل أهمية عن الاستثمارات المباشرة، وهو نقل الخبرات المؤسسية والإدارية التي راكمتها فرنسا على مدى عقود. فالاقتصادات الحديثة لا تُقاس فقط بحجم رؤوس الأموال، بل بكفاءة المؤسسات التي تديرها.
الأكاديمي في جامعة إدلب الدكتور مصعب الشبيب في حديث مع “الوطن” حول أهمية الاستفادة من الخبرات الفرنسية يرى أن سوريا تحتاج إلى تحديث آليات العمل في القطاعين العام والخاص، بما يشمل الإدارة الإستراتيجية، وإدارة الموارد البشرية، وقياس الأداء، والحوكمة، وبناء مؤشرات الإنتاجية، وهي مجالات تمتلك فيها فرنسا تجارب رائدة يمكن الاستفادة منها عبر برامج تعاون وتدريب وتوءمة بين المؤسسات.
كما تمثل الرقمنة والأتمتة فرصة حقيقية لتقليل البيروقراطية وتسريع الخدمات الحكومية. فالتحول نحو الحكومة الرقمية، والأرشفة الإلكترونية، والربط بين المؤسسات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار وتحليل البيانات، لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة لرفع كفاءة الاقتصاد وخفض تكاليف التشغيل.

ومن زاوية اقتصادية يوضح الشبيب أن كل تحسن في كفاءة الإدارة ينعكس مباشرة على بيئة الاستثمار. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، بل عن مؤسسات سريعة وشفافة وقادرة على إنجاز معاملاته بوضوح ووقت قصير. لذلك فإن نقل الخبرة الفرنسية في الإدارة الرقمية قد يكون أكثر أثراً على المدى الطويل من بعض الاستثمارات المالية نفسها.
كما يمكن للتعاون مع فرنسا أن يفتح الباب أمام تطوير نظم التدريب المهني، وتأهيل القيادات الإدارية، واعتماد ثقافة الجودة والتحسين المستمر، وهي عناصر أساسية لبناء مؤسسات قادرة على مواكبة الاقتصاد العالمي.
ويعتبر أن الرسالة الاقتصادية الأعمق لزيارة الرئيس ماكرون ليست فقط في حجم الشركات المرافقة له، بل في إمكانية بناء شراكة معرفية تنقل إلى سوريا خبرات الإدارة الحديثة والرقمنة والحوكمة. فإعادة الإعمار الحقيقية لا تعني إعادة بناء الحجر فقط، وإنما إعادة بناء المؤسسة التي تدير هذا الحجر بكفاءة واستدامة، لأن الإدارة المتطورة هي الاستثمار الذي يستمر أثره لعقود.








