الوطن – أسرة التحرير
شكلت اللقاءات التي أجراها الرئيس أحمد الشرع مع الرؤساء الثلاثة، الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون والتركي رجب طيب أردوغان، محطة مفصلية في مسار الدبلوماسية السورية، بعدما أفضت إلى نتائج سياسية واقتصادية تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتؤسس لمرحلة جديدة من الانفتاح الدولي وتعزيز حضور سوريا في المحافل الإقليمية والدولية.
وتبرز أهمية هذا الحراك بالنظر إلى مكانة الدول التي شملتها اللقاءات، فالولايات المتحدة وفرنسا عضوان دائمان في مجلس الأمن، وتمثلان قوتين اقتصاديتين بارزتين ضمن مجموعة السبع ومنظمة التجارة العالمية، بينما تعد تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إضافة إلى موقعها الاقتصادي والجغرافي المؤثر، ومن هنا، فإن نتائج هذه اللقاءات تحمل أبعاداً استراتيجية مرتبطة بمستقبل العلاقات السورية الدولية وفرص التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

ويعدّ الإعلان الأميركي عن بدء الإجراءات القانونية لإزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أحد أبرز مخرجات الحراك الدبلوماسي، باعتباره خطوة تعالج أحد أهم القيود التي أثرت في قدرة الاقتصاد السوري على الاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية.
وجاء الإعلان الأميركي ليشكل مؤشراً إلى انتقال العلاقات السورية – الأميركية إلى مرحلة مختلفة، إذ أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الخطوات المتخذة تجاه سوريا تأتي في إطار دعم التحولات التي تشهدها، بينما أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الإدارة الأميركية بدأت الإجراءات المتعلقة بإنهاء هذا التصنيف بعد إبلاغ الكونغرس رسمياً، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستسهم في تسهيل التجارة والاستثمار والتحويلات المالية وتهيئة ظروف أفضل للتعافي الاقتصادي.
ولا تقتصر أهمية هذا التطور على الجانب القانوني، بل تمتد إلى تأثيراته الاقتصادية، باعتبار أن رفع القيود يفتح المجال أمام عودة تدريجية للشركات الدولية ويعزز فرص جذب الاستثمارات والمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار، ودور سوريا الإقليمي في تحقيق الاستقرار، وهو ما عكسته لقاءات الوفود السورية- الأميركية في أنقرة وعكست توجهاً نحو بناء علاقة جديدة قائمة على الحوار المباشر والتعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وحمل لقاء الرئيس الشرع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” دلالات سياسية مهمة، لكونه جرى في أحد أبرز المحافل الدولية، ومنح سوريا حضوراً لافتاً ضمن نقاشات الأمن والاستقرار العالمي.
كما شكّل حضور الرئيس الشرع كأول رئيس سوري على هامش قمة الناتو، وإجراؤه لقاءات مع عدد من المسؤولين الدوليين، إضافة إلى محادثة ثلاثية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مؤشراً إلى اتساع دائرة الحضور الدبلوماسي السوري.
وفي السياق، مثلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة بارزة في العلاقات السورية – الفرنسية، لكونها أول زيارة لرئيس أوروبي إلى سوريا بعد التحرير، وتحمل دلالة سياسية تعكس تغيراً في طبيعة التعامل الأوروبي مع دمشق، حيث أثمرت الزيارة عن الاتفاق على تبادل السفراء، إلى جانب تأكيد الرئيس ماكرون دعم وحدة الأراضي السورية واستقرارها، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية.
كما فتحت الزيارة الباب أمام تعاون اقتصادي وتنموي واسع، شمل قطاعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والتجارة، إضافة إلى استعداد فرنسا للعمل على استعادة الأموال المرتبطة بالنظام البائد، بما يعزز البعد الاقتصادي للعلاقات الجديدة.
هذا الحراك الدبلوماسي السوري الأخير يؤكد أن دمشق دخلت مرحلة جديدة تقوم على توسيع شبكة العلاقات الدولية وتحويل الانفتاح السياسي إلى فرص اقتصادية وتنموية، فبينما يمثل إنهاء ملف العقوبات الأميركية بوابة للاندماج الاقتصادي، توفر الشراكة مع فرنسا فرصاً للاستثمار الأوروبي وإعادة الإعمار، بينما يعزز التعاون مع تركيا البعد الإقليمي لسوريا.








