مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“الصكوك الإعلامية” بين الثورة والقانون

‫شارك على:‬
20

واحدة من جماليات مهنة الصحافة أنها حمالة أوجه، متعددة الزوايا والرؤية، و”مانشيتها” ومتنها اجتهاديان، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر. زاوية الرؤية حق للصحفي ضمن سياسة مؤسسته التحريرية، وأحياناً لغة السوق.

آخر عهد الصحافة ذات النسخة “الفوتوكوبي” كان قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وصحيفته “البرافدا” الأوسع انتشاراً بنسخها المليونية، فكان موتها وعلتها في الرؤية الأحادية.

في أمريكا وألمانيا وفرنسا تتعرض قنوات مثل CNews وBFM TV لاتهامات يومية بالانحياز أو المبالغة أو إثارة الاستقطاب. ومع ذلك، لا يكون الخلاف عادة بالمطالبة الشعبية بإغلاقها وإيقافها عن العمل. ولا تغامر الحكومات بمواجهة مع صحافة مختلفة عن خطها، فقد تمثل جزءاً من الشارع، فتعرف وجهته، ويسهل حواره بالحجة والقول والدليل والرقم والبيان.

الجمهور الحارس لقيم مجتمعه وحقوق الشارع واستقراره جزء من المعادلة والحوار الدائم. والجمهور معيار نجاح الوسيلة الإعلامية، والعين الراصدة لانحيازات المؤسسات الإعلامية والصحفي، والقول له: “انتبه، أنت تغامر بسلمنا واستقرارنا”.

حق الرد أصيل في الصحافة المهنية، وبرلمان يومي مفتوح. وقد يلجأ الجمهور إلى مقاطعة الصحفي ووسيلته، وقد يغرق المؤسسة بملايين الرسائل العاتبة والغاضبة والرافضة، وإذا غابت الاستجابة، بقي باب الشكوى القانونية مفتوحاً إلى الهيئات والوزارات والمحاكم عند وجود مخالفة.

هذه الحقوق للجمهور تشجع المنافسة الإعلامية والنقد العلني، وتجعل الخلاف مرتكزاً على المحتوى، لا على حق المؤسسة في الوجود.

القانون يعزز دولة المؤسسات، لأنه ببساطة يوفر ضمانات سماع الطرف الآخر، وفحص الأدلة، وحق الدفاع، وإمكانية الطعن.

الخطورة في حملات وسائل التواصل أنها لا توفر شيئاً مما سبق، ويتحول الشارع إلى “الخصم والحكم” وقد تتداخل المؤثرات العاطفية والسياسية والقوى المحركة، فتضيع الحقوق، وينتصر الانفعال.

في الحالة السورية، ثمة اشتباك يومي، لخبر عن حوران، أو لصحفي في الحسكة، أو لتغطية مؤسسات الدولة الإعلامية، والخاصة والمستقلة، لم تسلم من المحاكمات العلنية. تبدأ بـ”بوست”، ثم تنتشر “كالنار في الهشيم”.

لا أعرف حكومة طردت وسائل الإعلام الأجنبية من أرضها، ولا استبعدت أو منعت وكالات الأنباء من تغطية مستمرة. يجري العكس تماماً. وتُيسر لها التسهيلات، رغم تكرار انحيازاتها، واختلاف زوايا المعالجة، وطرائق الطرح.

لا يوجد إعلام معصوم من الخطأ، في اختيار ضيف، أو مبالغة في عنوان، أو سوء تقدير في معالجة حدث. أحياناً يخرج الضيف عن السيطرة، ويباغتك بموقف هجين، فتحار: أحذفاً أم تمريراً؟ وقد يأخذنا العنوان، فـ”السبق الصحفي” شيطان يسكن تفاصيل المهنة، نريده ونسعى إليه، فيوقعنا قبل التيقن.

السؤال حول الخيارات والمعالجة يتجدد كل يوم، وتصقله التجربة والمراس وسقف الحريات وتحولات الجمهور.

الأمر ليس سهلا، فهو يتناول مستقبل المجال العام في سوريا: من يحدد أصلاً ما هو الخط الوطني؟ ومن يملك حق رسم حدوده؟

ترسيخ الاحتكام إلى التقاضي ومؤسساته، وأهل “الكار”، ضرورة واجبة. فالصحافة مهنة كسائر المهن، لكنها الأوسع بحكم جمهورها، غير أن الجمهور ليس الحكم. كما أنه ليس من يفصل في الأخطاء الطبية والهندسية، حتى في حالة انهيار مبنى ووجود ضحايا، إذ تُشكل اللجان الفنية، وتبدأ الخبرات بدراسة المخططات، وصولاً إلى احتمالات الفساد وتحديد المسؤوليات.

إذا أصبح كل تيار يعتبر نفسه الممثل الوحيد للشارع، فإن أي رأي مخالف سيغدو موضع شبهة، وأي وسيلة إعلامية ستصبح معرضة للتخوين كلما أغضبت طرفاً نافذاً أو جمهوراً غاضباً.

الأخطاء الإعلامية كثيرة، ولن تتوقف في الحالة السورية التي بدأت للتو ترسم ملامح مؤسساتها ومرجعياتها القانونية. ويحاول شارعها المكلوم بجراحه أن يهدأ. ينجح مرة، ويتعثر مرة أخرى. لكن الطريق يحتاج إلى مقاربة متأنية. فإن وقع الخطأ، تعالجه أدوات معروفة: الرد، والتوضيح، والنقد، وحق التقاضي إذا وجدت مخالفة للقانون. أما إصدار الأحكام على صحفي أو مؤسسات عبر حملات التحريض، فليس عدالة، بل استبدال للقانون بمنطق الغلبة.

لا يعني هذا أن الإعلام فوق المساءلة. على العكس، فالمؤسسات الإعلامية مسؤولة عن دقة معلوماتها، وعن اختيار ضيوفها، وعن أثر ما تنشره في المجتمع. لكنها تُحاسب على ما تبثه وتنشره، وفق مراجعة منهجية تضع البرامج والرسالة في مختبرات التحليل البارد والتواتر والزمن والأثر واحتمالية وجود خط تحريري وتثبيت الأدلة. لا على النيات والتصورات التي يبنيها الآخرون عنها.

كما أن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده. فالكلمة التي تصدر عن صاحب منصب أو شخصية مؤثرة لا تبقى مجرد رأي عابر، بل قد تتحول إلى رسالة يفهمها البعض دعوةً للتشهير، أو المقاطعة، أو الاستهداف. ولهذا تصبح مسؤولية أصحاب النفوذ مضاعفة، لأن كلماتهم لا تُقاس بما يقصدونه فقط، بل بما قد تتركه من أثر في المجتمع، ويثير السؤال المعتاد، إن كان قوله يمثل الحكومة أو بعضها، وبالتالي نقع في إشكالية وظيفة الحكومة ومؤسساتها كمرجعية يحتكم إليها الناس عند اختلافهم.

صحيح أن تجربة الرئيس الأميركي ترامب ذهبت عكس المعتاد في مساءلة الإعلام وانحيازاته، لكن الثابت أن المؤسسات الراسخة في المجتمع الأميركي يمكن لها إدانة الرئيس أو غيره، إذا ثبت بطلان ادعاءاتهم تجاه المؤسسات الإعلامية الموسومة بالانحياز.

التجربة السورية مختلفة، ما زالت” طرية” وكل ما نحتاج إليه مرحلياً، هو ترسيخ الاحتكام إلى القانون ومؤسساته، وسأكون حينها مع إغلاق أي وسيلة إعلامية إذا قال القانون كلمته.