عاد مشروع خط أنابيب كركوك – بانياس إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، بعد إعلان مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة تدعم جهود العراق وسوريا لإعادة إحياء خط أنابيب النفط الخام بين البلدين، في خطوة من شأنها تقليل تأثير أي عرقلة لإمدادات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
وقال المسؤول، حسب وكالة «رويترز»: إن الولايات المتحدة تتوقع أن تضطلع الشركات الأميركية بدور في تسريع إعادة بناء خط كركوك–بانياس، الذي خرج معظمه من الخدمة بعد تعرضه لأضرار خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
ومن المقرر أن يمتد الخط بعد إعادة تأهيله من حقول النفط العراقية القريبة من كركوك إلى الساحل الغربي السوري، ليشكل أحد البدائل التي يعمل عليها منتجو النفط في الشرق الأوسط لتنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط.

ويأتي ذلك في وقت أعادت فيه الولايات المتحدة فرض حصار على المضيق الاستراتيجي الواقع بين إيران وسلطنة عُمان، عقب هجمات استهدفت سفناً داخله وحملت واشنطن إيران المسؤولية عنها، بينما ذكرت وكالة «بلومبرغ» في وقت سابق أن شركة «شيفرون» قد تكون من بين الشركات المساهمة في إعادة بناء خط الأنابيب.
الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم، رأى في تصريح لـ”الوطن”، أن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس تعني إعادة رسم خريطة تصدير الطاقة في المشرق العربي، ولا تقتصر على اعتباره مشروع بنية تحتية، وأوضح أن الخط يمتد بطول نحو 800 كيلومتر، ويربط حقول كركوك شمال العراق بميناء بانياس على الساحل السوري، وقد أنشأته شركة نفط العراق عام 1952 بطاقة نقل بلغت نحو 300 ألف برميل يومياً، قبل أن توقفه بغداد خلال ثمانينيات القرن الماضي على خلفية الحرب العراقية- الإيرانية، ثم تعرض بعد عام 2003 لأضرار جسيمة أخرجته عن الخدمة بشكل شبه كامل، علماً أن طاقته التصميمية الأصلية بلغت في ذروتها نحو 700 ألف برميل يومياً.
وأضاف: إن المشروع انتقل من مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ عبر ثلاث محطات رئيسة، بدأت بإعلان المضي في مذكرة تفاهم مع شركة TI Capital الأميركية لإعادة تأهيل الخط، تلتها موافقة الحكومة العراقية على اتفاق مبدئي يسمح لشركات أميركية إلى جانب شركة قطرية بدراسة إنشاء خطوط جديدة تصل إلى ميناء بانياس انطلاقاً من كركوك ومن مدينة حديثة في محافظة الأنبار، وصولاً إلى التحضير لتوقيع اتفاق إعادة التشغيل في واشنطن، بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى البيت الأبيض، ومشاركة متوقعة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع دخول شركة «شيفرون» كمساهم محتمل في المشروع.
من ترميم الخط إلى إنشاء ممر نفطي جديد
وأشار عبد الكريم إلى أن التحول الأهم يتمثل في انتقال المشروع من إعادة تأهيل الخط القديم إلى دراسة إنشاء خط جديد بالكامل بطاقة قد تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، بما يضمن مرونة أكبر في التصدير ويحد من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز.
وأضاف: إن الدراسات الأولية تتضمن إنشاء خط مزدوج مزود بمحطات ضغط ومراقبة حديثة، مع استبعاد أجزاء من المسار القديم في محافظة دير الزور لأسباب أمنية وفنية، بتكلفة قد تتجاوز 4.5 مليارات دولار ومدة تنفيذ تقارب 36 شهراً، في حين تتراوح تكلفة إعادة تأهيل الخط الحالي بين 300 و600 مليون دولار خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، وهو ما يجعل البدء بتأهيل الخط القديم خطوة انتقالية قادرة على توليد عوائد مبكرة تمول جزءاً من المشروع.
ورأى أن المقاربة القائمة على إعادة تأهيل الخط الحالي كمرحلة انتقالية تمثل خياراً اقتصادياً عملياً، إذ تتيح توليد تدفقات مالية مبكرة يمكن أن تسهم في تمويل مشروع الخط الجديد، وتعزز جدواه الاقتصادية أمام المستثمرين، قبل الانتقال إلى الحل الهيكلي المتمثل بإنشاء الخط الجديد.
وأكد الخبير الاقتصادي أن أهمية المشروع بالنسبة للعراق تتجاوز الجانب النفطي، إذ تمر ما بين 95 و97 بالمئة من صادراته النفطية عبر مضيق هرمز، بينما يشكل النفط نحو 90% من إيرادات الموازنة العامة، ما يجعل الاقتصاد العراقي معتمداً على منفذ واحد.
مكاسب اقتصادية مباشرة لسورية
وأوضح أن المرحلة الأولى بطاقة 300 ألف برميل يومياً يمكن أن تحقق إيرادات تصديرية تقارب 9.3 مليارات دولار سنوياً، في حين ترتفع الإيرادات النظرية إلى نحو 46 مليار دولار سنوياً عند تشغيل الخط الجديد بطاقة 1.5 مليون برميل يومياً، إضافة إلى خفض تكاليف الشحن وتحسين تنافسية النفط العراقي في الأسواق الأوروبية.
ولفت عبد الكريم إلى أن سوريا ستجني بدورها مكاسب اقتصادية متعددة، تبدأ بإيرادات الترانزيت التي قد تتراوح بين 110 و165 مليون دولار سنوياً في المرحلة الأولى، وترتفع إلى ما بين 550 و820 مليون دولار سنوياً عند اكتمال المشروع.
كما يعزز الخط أمن الطاقة عبر توفير النفط الخام لمصفاة بانياس وتشغيلها بكامل طاقتها، ويخفض فاتورة استيراد المشتقات النفطية، فضلاً عن توفير آلاف فرص العمل خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الموانئ والكهرباء والبنية التحتية، بما يعزز مكانة سوريا كمركز إقليمي للطاقة على البحر المتوسط.
وأوضح أن ذلك يتيح لسوريا الاستفادة من الخام العراقي في تشغيل المصفاة بكفاءة أكبر، ويعزز فرص التوسع في صناعة التكرير مستقبلاً، بما يرفع القيمة المضافة مقارنة بالاكتفاء بإيرادات العبور وحدها.
وأوضح أن الخط لا يمثل بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز في مرحلته الأولى، لكنه يشكل بديلاً استراتيجياً تدريجياً مع اكتمال المشروع الجديد، إذ يمكن أن ينقل نحو 35 بالمئة من الصادرات النفطية العراقية بعيداً عن الخليج، بينما ترتفع هذه النسبة عند ربطه بخط كركوك–جيهان ومشروع البصرة–حديثة، بما يتيح للعراق مستقبلاً تصدير ما يقارب نصف إنتاجه النفطي عبر منافذ خارج مضيق هرمز.
تحديات التنفيذ
وأشار عبد الكريم إلى أن المشروع يواجه تحديات تمويلية وأمنية وسياسية، وقال: التحدي التمويلي والفني أولاً، فنحن أمام فاتورة تمتد من 300 إلى 600 مليون دولار لتأهيل الخط القديم، وتقفز إلى ما يتجاوز 4.5 مليارات دولار للخط المزدوج الجديد على مدى 36 شهراً، والتجربة الدولية في مشروعات الأنابيب العابرة للحدود تقول إن تجاوز التكلفة التقديرية بنسبة 20 إلى 30 بالمئة هو القاعدة لا الاستثناء، خصوصاً في بيئة تتطلب محطات ضخ جديدة بالكامل وأنظمة قياس وعدادات حدودية وتحصينات أمنية على طول المسار، ولذلك فإن هيكل التمويل، وهل سيكون استثماراً مباشراً بنظام البناء والتشغيل والتحويل، أم سيكون قروضاً بضمانات سيادية، سيحدد من يمسك فعلياً بمفاتيح الخط لعقود، مضيفاً: ثانياً التحدي الأمني، فالخط يعبر مناطق شهدت نشاطاً لخلايا مسلحة على جانبي الحدود، والقرار الفني باستبعاد جزء من المسار القديم في دير الزور هو اعتراف ضمني بهذه الخريطة الأمنية، وأي خط أنابيب بري هدف رخيص الاستهداف باهظ الحماية، وتجربة خط كركوك – جيهان الذي تعرض لعشرات التفجيرات خير شاهد، وكل حادثة تخريب لا تكلف الإصلاح فقط بل ترفع أقساط التأمين وتخفض تصنيف موثوقية الإمداد لدى المشترين.
أما التحدي السياسي فقد رأى عبد الكريم أنه الأعقد، لأن استدامة الخط تفترض استقرار العلاقة العراقية – السورية واستمرار الغطاء الأميركي وتحييد الاعتراض الإيراني، في وقت لا تزال المنطقة على صفيح ساخن، والدليل أن واشنطن أعادت هذا الأسبوع فرض الحصار البحري قرب هرمز ونفذت موجة ضربات جديدة، والسوق يسعر هذا التوتر لحظياً، إذ قفز برنت 9.6 بالمئة في جلسة واحدة مطلع الأسبوع في أكبر مكسب يومي له منذ 2020، وهو اليوم أعلى بنحو 19 بالمئة من مستواه قبل اندلاع الحرب في أواخر شباط،، ولا ننسى أن طهران نظرت تاريخياً إلى أي ممر يضعف ورقة هرمز باعتباره تهديداً مباشراً لنفوذها التفاوضي، ما يجعل الخط نفسه ورقة في لعبة إقليمية أكبر منه.
وختم عبد الكريم بالتأكيد أن مشروع كركوك–بانياس مجدّ اقتصادياً وضروري استراتيجياً، لكنه يحتاج إلى استكمال إعادة تأهيل الخط القديم، والمضي في إنشاء الخط الجديد، مع ربطه مستقبلاً بمنظومة البصرة–حديثة، وإقرار إطار قانوني واضح ينظم رسوم العبور وآليات فض النزاعات، إلى جانب توفير منظومة حماية فعالة، بما يتيح للمنطقة امتلاك منفذ نفطي بديل يعزز أمن الطاقة ويمنح العراق وسوريا فرصاً اقتصادية واستثمارية واسعة.








