لم يكن تأخر صرف مستحقات أثمان القمح طوال أكثر من شهر مجرد بطء في الإجراءات ولا نقصاً في الأموال كما اعتقد كثيرون بل كان جزءاً منها نتيجة عقدة مالية وتنظيمية بقيت بعيدة عن الأنظار بينما كان الفلاح ينتظر ثمن محصوله يوماً بعد يوم وخلال هذا الانتظار ولدت سوق سوداء جديدة نقلت ملايين الليرات من جيوب المنتجين إلى الوسطاء واليوم تكشف” الوطن” للمرة الأولى تفاصيل ما جرى خلف الكواليس والاتفاق الذي فتح الطريق أمام بدء صرف المستحقات خلال الساعات المقبلة
العقدة التي أخرت الأموال
حصلت “الوطن” على معلومات خاصة تؤكد أن أحد أسباب التأخير لم يكن عدم توافر التمويل بل عدم استكمال الاتفاق المالي (العقد) الناظم للعلاقة بين المؤسسة العامة للحبوب والمصرف الزراعي والمصرف المركزي.

وبحسب مصدر في وزارة المالية جرى التوافق على تعديل العقد الأنموذجي الذي كان معمولاً به خلال السنوات الماضية حيث ألغيت الفائدة التأخيرية بالكامل بعد أن كانت تبلغ 0.75 بالمئة بينما جرى الإبقاء على فائدة 1 بالمئة فقط توزع مناصفة بين المصرف المركزي والمصرف الزراعي وهو ما أنهى آخر العقبات أمام استكمال إجراءات التمويل.
المركزي يضخ السيولة
وكشف المصدر لـ “الوطن” أن المصرف المركزي سيحول سيولة نقدية إلى المصرف الزراعي وفقاً للكتلة المالية التي تم تحويلها مصرفياً والبالغة 3500 مليار ليرة تمهيداً لبدء عمليات الصرف
وبحسب المعلومات فإن فروع المؤسسة العامة للحبوب سترفع خلال اليومين المقبلين قوائم المستحقين إلى فروع المصرف الزراعي في المحافظات لتبدأ بعدها مباشرة عمليات صرف قيم القمح وفق المنصة والدور المعتمدين ومن المتوقع أن تنطلق عمليات الدفع غداً أو بعد غد.
ثمن التأخير
قبل أكثر من 10 أيام كشفت “الوطن” أن تأخر صرف مستحقات القمح لم يوقف الأموال فقط بل خلق سوقاً سوداء جديدة استغلت حاجة الفلاحين إلى السيولة فبينما بقيت مستحقات المنتجين معلقة ظهر تجار وفروا السيولة النقدية واشتروا القمح بأسعار تقل بنحو 1 مليون ليرة للطن عن السعر الرسمي وهو ما يعادل نحو 20 بالمئة من قيمته ولم يكن الفلاح يبيع بخسارة لأنه يريد ذلك بل لأنه كان مضطراً لتسديد ديونه وأجور الحصاد والنقل وتأمين احتياجات أسرته والاستعداد للموسم المقبل بعدما بقيت مستحقاته مجمدة لأكثر من شهر.
كيف سيتم الصرف؟
وكشف مصدر في المؤسسة العامة للحبوب لـ”الوطن” أن القوائم سترسل تباعاً إلى فروع المصرف الزراعي وفق جاهزية كل فرع خلال اليومين المقبلين وستصرف المستحقات التي لا تتجاوز 500 مليون ليرة على دفعتين تتضمنان 100 مليون ليرة نقداً فور وصول القوائم وبدء الصرف بينما تستكمل بقية القيمة وفق الآلية المعتمدة أما المستحقات التي تتجاوز 500 مليون ليرة فستصرف على 4 دفعات.
الحصاد يقترب من نهايته
وكشف مصدر في المؤسسة العامة للحبوب لـ”الوطن” أن نسبة الحصاد تجاوزت 70 بالمئة وأن الازدحام ما يزال قائماً في عدد من المراكز حيث تمتد الحجوزات في بعضها إلى أكثر من 10 أيام وفي مراكز أخرى حتى نهاية الشهر الجاري رغم أن وتيرة التسليم بدأت تتراجع مقارنة بالأسبوعين الماضيين.
ووفقاً لآخر الإحصاءات الرسمية تجاوزت كميات القمح المستلمة حتى 12 تموز /2/ مليون طن عبر 116101 عملية تسليم في 84 مركزاـ وهو ما يعكس اقتراب الموسم من نهايته مع توقعات بوصول الإنتاج إلى ما بين 2,3 مليون و2,5 مليون طن.
التأخير صنع سوقاً موازية
تكشف هذه القضية أن المشكلة لم تكن في سعر شراء القمح بل في توقيت دفع ثمنه فكل يوم تأخير منح السوق الموازية فرصة لسحب جزء من دخل الفلاح وتحويله إلى الوسطاء والسماسرة
ومع بدء ضخ السيولة وانطلاق عمليات الصرف خلال الساعات المقبلة تبدو الأزمة في طريقها إلى النهاية لكن الدرس الذي كشفه هذا الموسم واضح وهو أن حماية الفلاح لا تبدأ عند إعلان سعر الشراء بل عند وصول ثمن محصوله في الوقت المناسب لأن سرعة الدفع ليست إجراء مالياً فقط بل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والإنتاج الوطني.








