مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بلا تضخم.. الصكوك السيادية تمول الموازنة وتستثمر المدخرات

‫شارك على:‬
20

أعلنت وزارة المالية بدء التحضيرات اللازمة لإصدار الصكوك السيادية للدولة السورية، بهدف توفير مصادر تمويل حقيقية غير تضخمية لتمويل الموازنة العامة للدولة، إضافةً إلى خلق مؤشر مرجعي يساعد على تسعير الأصول المالية في سورية بما يساعد المؤسسات المالية والمصرفية على تسعير خدماتها المالية بصورة تعكس المخاطر بكفاءة، وتوفير أدوات تمكن مصرف سوريا المركزي من تفعيل إدارة نشطة للسيولة وعمليات السوق المفتوحة.

وأكد وزير المالية محمد يسر برنية، خلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية في الوزارة، مسودة الخطة الاستراتيجية لإعداد هذه الصكوك، أهمية استكمال وضع الخطة بالتشاور مع الجهات المحلية وفي مقدمتها المصرف المركزي، بما ينسجم مع واقع السيولة في الاقتصاد واحتياجات التمويل، مؤكداً أن الأدوات المالية الحكومية هي بمثابة سلعة عامة (public goods) يستفيد منها الاقتصاد الوطني بمكوناته، موضحاً أن خطة وزارة المالية، تقوم على التوسع التدريجي في الإصدارات لفترات استحقاق أطول لبناء مؤشر عائد مرجعي للأوراق المالية الحكومية على المدى المنظور ومتوسط الأجل.

وأشار الوزير برنية إلى أهمية تحقيق الاستدامة المالية، التي تعني قدرة الدولة على تمويل التزاماتها الحالية والمستقبلية دون خلق اختلالات مالية، مع المحافظة على مستويات عجز وتمويل يمكن إدارتها بصورة مسؤولة.

الصكوك السيادية… هل تبدأ مرحلة جديدة في تمويل الاقتصاد السوري؟

أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان قال لـ”الوطن”: عندما تعلن الدولة أنها ستصدر صكوكا سيادية، فإنها لا تدعو المواطنين إلى التبرع، بل تتيح لهم فرصة الاستثمار في مشروع تنموي من خلال أداة تمويل حديثة، يحصل المستثمر بموجبها على عائد يرتبط بالمشروع أو الأصل الذي تم تمويله، ومن هنا يبرز السؤال: كيف تعمل هذه الصكوك؟ وهل يمكن أن تصبح أداة جديدة لدعم الاقتصاد السوري وتمويل مرحلة التعافي وإعادة الإعمار؟

ويرى الخبير في إدارة الأعمال أنه من الناحية الاقتصادية، يعد التوجه نحو إصدار الصكوك السيادية خطوة إيجابية، لأنها تفتح أمام الدولة مصدراً جديداً للتمويل يعتمد على تعبئة المدخرات المحلية واستقطاب رؤوس الأموال السورية، بدلاً من الاعتماد على القروض التقليدية وحدها. كما أنها تسهم في توجيه جزء من الأموال التي قد تبقى مجمدة أو تتجه إلى المضاربة أو الاستثمار خارج البلاد نحو مشاريع إنتاجية وتنموية داخل الاقتصاد الوطني.

وأوضح حمدان أن الصكوك السيادية هي أوراق استثمارية تصدرها الدولة لتمويل مشروع أو أصل محدد، مثل محطة كهرباء، أو طريق سريع، أو ميناء، أو مستشفى، أو مشروع إسكان، وعندما يشتري المستثمر صكاً، فإنه لا يقدم قرضاً تقليديا للدولة كما في السندات، وإنما يستثمر في أصل أو مشروع أو منفعة محددة وفق هيكل الصك ونشرة الإصدار، ولذلك فإن العلاقة بين الدولة والمستثمر تقوم على الاستثمار في مشروع حقيقي، وليس على الإقراض مقابل فائدة، وتمتاز الصكوك بأنها تربط التمويل بأصل أو مشروع حقيقي، وهو ما يعزز توجيه الأموال نحو الاستثمار والإنتاج، بدلاً من استخدامها في أنشطة غير منتجة أو مضاربات مالية.

كيف تتم العملية؟.. كيف يحقق المستثمر أرباحه؟

واستعرض حمدان الآلية التي تتم بها العملية قائلاً: لنفترض أن الدولة ترغب في إنشاء محطة كهرباء بتكلفة 500 مليار ليرة سورية، فبدلاً من تمويل المشروع بالكامل من الموازنة العامة، تقوم بإصدار عدد من الصكوك بقيم اسمية محددة، ويقوم المواطنون والمصارف والشركات بالاكتتاب فيها، وتستخدم حصيلة الإصدار في تنفيذ المشروع كما هو محدد في نشرة الإصدار، وبعد تشغيله وتحقيق الإيرادات توزع العوائد على حملة الصكوك وفق الآلية المتفق عليها، وعند انتهاء مدة الصك تسترد الدولة الصكوك أو تعيد شراءها وفق الشروط المعلنة.

مضيفا: لا تعتمد الصكوك على فائدة ثابتة، وإنما على العائد الذي يحققه المشروع أو الأصل الذي تم تمويله، ولا توجد نسبة أرباح واحدة لجميع الصكوك، إذ تختلف من مشروع إلى آخر بحسب طبيعة النشاط ومستوى المخاطر ودراسات الجدوى، ولهذا تعلن الجهة المصدرة عادة عن عائد متوقع، وليس عائداً مضمونا، وقد يكون العائد أعلى من المتوقع إذا حقق المشروع نتائج أفضل من التقديرات، كما قد يكون أقل إذا انخفضت إيراداته، وذلك بحسب طبيعة الصك وشروط الإصدار.

ماذا لو خسر المشروع؟

يوضح حمدان أنه من الناحية النظرية، تقوم الصكوك على المشاركة في العائد والمخاطرة، ولذلك قد ينخفض العائد إذا لم يحقق المشروع النتائج المتوقعة، وفي المقابل، إذا تجاوز المشروع التوقعات وحقق إيرادات أعلى، فإن المستثمر يستفيد أيضا من ذلك وفقا لطبيعة الصك وآلية توزيع العوائد المحددة في نشرة الإصدار، فالعلاقة تقوم على المشاركة في نتائج المشروع، وليس على فائدة ثابتة، لكن في التطبيق العملي، تحرص الحكومات على اختيار مشاريع ذات إيرادات مستقرة، مثل محطات الكهرباء والموانئ والطرق والمطارات، كما تضع هياكل قانونية وتنظيمية توفر حماية كبيرة للمستثمرين، سواء من خلال أصول حكومية داعمة للإصدار أم من خلال آليات واضحة لاسترداد الصكوك عند الاستحقاق، لذلك فإن نجاح الصكوك يعتمد قبل كل شيء على نجاح المشروع نفسه، وعلى جودة الدراسات التي بني عليها.

التجارب العالمية وماذا تحقق لسورية

وحول نجاح هذه التجربة في دول أخرى، قال:  نعم، فقد أصبحت ماليزيا من أكبر أسواق الصكوك في العالم، واستخدمتها في تمويل المطارات والطرق والمستشفيات ومشاريع البنية التحتية، كما اعتمدت السعودية والإمارات وإندونيسيا وتركيا على الصكوك لتمويل مشاريع تنموية كبرى، وأسهمت في جذب الاستثمارات، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير أسواق المال.

وبالنسبة لما يمكن أن تحقق سورية، يرى أستاذ إدارة الأعمال أنه إذا أحسن تصميم الصكوك، فإنها قد توفر مصدراً جديداً لتمويل مشاريع التنمية، وتستقطب المدخرات المحلية، وتشجع رؤوس الأموال السورية في الداخل والخارج على الاستثمار، وتوفر تمويلاً طويل الأجل لمشاريع إعادة الإعمار، كما تسهم في تنويع مصادر التمويل، بحيث لا تبقى المشروعات الحكومية معتمدة على القروض أو التمويل المصرفي فقط، وهو ما يخفف الضغط على القطاع المصرفي، ويتيح توجيه جزء أكبر من موارده لتمويل القطاع الخاص والمشروعات الإنتاجية.

كما أنها تمنح المواطن فرصة ليكون شريكاً في تمويل مشاريع وطنية، بدلاً من أن يكون مجرد متابع لها، وتفتح المجال أمام تحويل المدخرات الوطنية إلى استثمارات منتجة تخلق فرص عمل وتعزز النمو الاقتصادي.

كيف تنجح التجربة؟

يرى حمدان أن نجاح أول إصدار للصكوك السيادية لن يعتمد على حجم الأموال التي سيتم جمعها، بل على مستوى الثقة التي ستبنى لدى المستثمرين، مضيفاً: لهذا من المهم أن تبدأ الدولة بمشروع واضح وملموس يلمس المواطن أثره مباشرة، مثل محطة كهرباء أو مشروع للطاقة أو طريق حيوي، بحيث يستطيع المستثمر أن يرى أين ذهبت أمواله وما النتائج التي حققتها، فنجاح المشروع الأول سيكون أفضل حملة تسويقية لأي إصدارات مستقبلية، لأن الثقة لا تبنى بالإعلانات، بل بالنتائج، كما أن الشفافية ستكون عاملاً حاسماً، من خلال نشر جميع تفاصيل الإصدار، والإعلان عن دراسات الجدوى، وتقديم تقارير دورية توضح مراحل تنفيذ المشروع وكيفية استخدام الأموال والعوائد المتحققة.

وأكد أنه من المهم أيضاً أن تتضمن نشرة الإصدار جميع التفاصيل التي تهم المستثمر، مثل آلية توزيع العوائد، وشروط استرداد أصل المبلغ، وإمكانية تداول الصكوك قبل موعد الاستحقاق، والضمانات القانونية التي تحمي حقوق حملة الصكوك، ومن الأفضل كذلك أن تكون القيمة الاسمية للصكوك في متناول المواطنين، حتى تتحول إلى أداة ادخار واستثمار شعبية، لا أن تقتصر على كبار المستثمرين والمؤسسات المالية، كما يمكن أن تشكل الصكوك وسيلة مهمة لاستقطاب مدخرات السوريين المقيمين في الخارج، وإتاحة الفرصة لهم للمساهمة في تمويل مشاريع تنموية داخل بلدهم ضمن إطار قانوني واضح وشفاف، ومن المهم أيضاً توجيه حصيلة الصكوك إلى مشاريع إنتاجية تحقق عائداً اقتصادياً واضحاً، لأن المستثمر لا يشتري الصك فقط، بل يشتري ثقته في المشروع الذي يقف وراءه.

مضيفاً: قد يكون من المناسب أن يكون الإصدار الأول محدود القيمة وموجهاً لمشروع ناجح وسريع الإنجاز، لأن نجاح التجربة الأولى سيبني ثقة المستثمرين، ويشجع على إصدارات أكبر في المستقبل.

وخلص حمدان إلى أن الصكوك السيادية ليست مجرد أداة مالية، بل فرصة لبناء شراكة جديدة بين الدولة والمواطن في تمويل التنمية، وإذا نجح الإصدار الأول في تحقيق الشفافية، والالتزام، وحسن إدارة المشروع، والعائد المجدي، فلن يكون مجرد مشروع ناجح، بل سيكون نقطة تحول في أسلوب تمويل التنمية في سوريا، من الاعتماد المفرط على الاقتراض إلى تنويع مصادر التمويل عبر تعبئة المدخرات الوطنية واستقطاب رؤوس الأموال السورية.

وختم بالقول: نجاح الصكوك لن يقاس بحجم الأموال التي تجمعها، بل بحجم الثقة التي تبنيها، فإذا نجحت الدولة في كسب ثقة المستثمرين من خلال مشروع ناجح وإدارة شفافة والتزام كامل بحقوق حملة الصكوك، فإنها لن تؤسس فقط لأداة تمويل جديدة، بل ستؤسس لثقافة استثمار وطنية تجعل المدخرات السورية شريكاً حقيقياً في إعادة الإعمار والتنمية، وتؤكد أن الاقتصاد القوي يبدأ بالاعتماد على موارده الذاتية قبل أي شيء آخر.

الجدير ذكره أن الموازنة العامة للدولة لعام 2026 نصت على اللجوء لإصدار صكوك كمصدر رئيسي لتمويل العجز المقدر في الموازنة.