رغم أهمية ما أعلنته وزارة المالية حول استراتيجيتها الجديدة وتحولها من مفهوم الجباية إلى التنمية والشراكة فإن الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر رأى في حديثه ل”الوطن” أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بجمال المصطلحات وإنما بوضوح الأهداف وإمكانية قياس نتائجها على أرض الواقع.
مصطلحات تحتاج إلى تعريف
وأوضح اسمندر أن التقرير الذي نشرته الوزارة تضمّن مفاهيم مهمة مثل التنمية والتمكين والاستدامة، إلا أنها بقيت عناوين عامة تحتاج إلى تعريفات واضحة تشرح للمواطنين وقطاع الأعمال المقصود منها، وكيف ستنعكس على الواقع الاقتصادي.

وأضاف: إن ما ورد في التقرير حول انتقال الوزارة من مفهوم الجباية إلى التنمية والشراكة وأنها أصبحت شريكاً حقيقياً لقطاع الأعمال والمستثمرين يمثل وجهة نظر الوزارة، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان القطاع الخاص يشاركها هذا التقييم، وما المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس مستوى هذه الشراكة ومدى تطورها؟
الجباية أداة للتنمية
وأشار اسمندر إلى أن طرح العلاقة كأنها انتقال من الجباية إلى التنمية يحتاج إلى مراجعة، لأن الجباية ليست نقيضاً للتنمية، بل إن التجارب العالمية تؤكد أن الأنظمة الضريبية الفاعلة تشكل إحدى أهم أدوات تحقيق التنمية وتحفيز الاستثمار عندما تكون عادلة وشفافة وكفوءة.
ودعا وزارة المالية إلى نشر مجموعة من المؤشرات الكميّة التي تمكّن الرأي العام من تقييم نتائج الاستراتيجية، مثل مؤشر العبء الضريبي على الشركات الناشئة قبل تطبيق الاستراتيجية وبعدها، ومؤشر ممارسة الأعمال وزمن الامتثال الضريبي، ومؤشر تكلفة الشراكة مع القطاع الخاص، مبيناً أن أي حديث عن انتقال أو تحول يجب أن يستند إلى أرقام واضحة تبين نقطة الانطلاق والهدف الذي تسعى الوزارة إلى الوصول إليه.
الاستراتيجية أم المهام
ولفت إلى أن المحاور الثلاثة التي أعلنتها الوزارة وتشمل إدارة السياسة المالية وتنظيم قطاع التمويل وتمكين القطاع الخاص، تمثل في الأصل الوظائف الأساسية لأي وزارة مالية في العالم، ولذلك فإن الاستراتيجية يجب أن تركز على كيفية تنفيذ هذه المهام بصورة مختلفة، وليس مجرد إعادة توصيفها.
وأوضح أن إدارة السياسة المالية تحتاج إلى تحديد طبيعة السياسة التي ستتبعها الدولة، وهل ستكون توسعية أم تقشفية، وما معدل عجز الموازنة المستهدف، وما نسبة نمو الإيرادات غير الجمركية المخطط تحقيقها؟
وأضاف: إن محور تنظيم التمويل ينبغي أن يتضمن أهدافاً قابلة للقياس، مثل نسبة الشمول المالي المستهدفة وحجم التمويل الأصغر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
أما فيما يتعلق بتمكين القطاع الخاص فقد أكد ضرورة تحديد مؤشرات واضحة، مثل نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي والتصنيف المستهدف لسوريا في مؤشرات مدركات الفساد وسهولة الأعمال بما يسمح بقياس مدى التقدم الذي تحققه الاستراتيجية.
156 مبادرة هل هي قابلة للتنفيذ؟
وتوقف اسمندر عند ما أعلنته الوزارة بشأن تنفيذ 20 هدفاً و156 مبادرة وبرنامجاً ونشاطاً خلال خمس سنوات، مشيراً إلى أن هذا الرقم يعادل نحو 31 مبادرة سنوياً أو ما يقارب 3 مبادرات شهرياً، وهو ما يثير تساؤلات حول القدرة المؤسسية والموارد البشرية اللازمة لإدارة هذا العدد الكبير من المبادرات بكفاءة وتحقيق نتائج فعلية.
وأكد أن التجارب الدولية تشير إلى أن التركيز على عدد محدود من الأولويات الواضحة والقابلة للقياس غالباً ما يكون أكثر نجاحاً من إطلاق عدد كبير من المبادرات التي قد تؤدي إلى تشتت الجهود وضياع الأولويات.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية قد أعلن خلال جلسة حوارية في منتدى الأعمال السوري- الأميركي الأول أن الوزارة انتقلت من مفهوم الجباية إلى التنمية والشراكة، وأصبحت شريكاً حقيقياً لقطاع الأعمال والمستثمرين، بالتوازي مع تعزيز الشفافية في العمل الحكومي، مشيراً إلى أن استراتيجية الوزارة ترتكز على ثلاثة محاور هي إدارة السياسة المالية العامة للدولة وتنظيم قطاع التمويل وتطويره وتمكين القطاع الخاص وتحفيز النشاط الاقتصادي بما يدعم التنمية المستدامة، كما تتضمن 20 هدفاً و156 مبادرة وبرنامجاً ونشاطاً تنفذ على مدى خمس سنوات وفق مؤشرات أداء محددة، مع العمل على إعادة بناء المنظومة التشريعية والقانونية للقطاع المالي تمهيدًا لعرض 33 مرسوماً وقانوناً على مجلس الشعب بما يسهم في تطوير البيئة التشريعية ودعم الاقتصاد وتعزيز جاذبية الاستثمار.








