يمثّل اجتماع وزارة المالية مع وفد الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وبرنامج SIGMA خطوة مهمة تتجاوز إطار التعاون الفني التقليدي، لأنها تتصل بأحد أهم ملفات مرحلة إعادة بناء الدولة، وهو تحديث الإدارة المالية العامة وفق معايير الحوكمة والكفاءة والشفافية.
الدكتور مصعب الشبيب من جامعة إدلب يرى أن نجاح أي إصلاح اقتصادي لا يبدأ فقط من زيادة الإيرادات أو ضبط النفقات، وإنما من بناء منظومة مالية حديثة تعتمد على البيانات الدقيقة، والإجراءات الواضحة، والتقنيات الرقمية المتقدّمة.
لذلك فإن التركيز على إصلاح الإدارة المالية العامة يعد مدخلاً أساسياً لتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ورفع جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين والمستثمرين.

وفي تصريحه لـ”الوطن” اعتبر الشبيب أن من أبرز الأولويات التي ينبغي التركيز عليها خلال المرحلة القادمة، التحوّل الرقمي الشامل في وزارة المالية، بحيث تنتقل الإجراءات تدريجياً من المعاملات الورقية إلى الأنظمة الإلكترونية المتكاملة.
ويشمل ذلك تطوير نظام مالي حكومي موحّد وربط المديريات المالية والخزينة والجمارك والضرائب إلكترونياً، بما يضمن تدفّق المعلومات بشكل فوري، ويقلّل الأخطاء البشرية، ويعزّز الرقابة على المال العام.
كما بيّن أن الرقمنة الضريبية تمثّل ركيزة أساسية للإصلاح، من خلال التوسّع في الفوترة الإلكترونية، والإقرارات الضريبية الرقمية، والدفع الإلكتروني، واستخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لرصد حالات التهرّب الضريبي وتوجيه عمليات التدقيق بكفاءة أعلى. هذه الإجراءات لا تسهم فقط في زيادة الإيرادات، بل تحقّق أيضاً العدالة الضريبية وتخفّف الأعباء الإدارية عن المكلفين.
ومن الجوانب التي تستحق اهتماماً خاصاً، الاستثمار في بناء القدرات البشرية، فنجاح أي نظام رقمي يعتمد قبل كل شيء على وجود كوادر مؤهلة قادرة على تشغيله وتطويره. لذلك فإن برامج التدريب ونقل الخبرات الأوروبية ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من مشروع الإصلاح، وليس مجرد نشاط موازٍ له.
كذلك، فإن إنشاء مركز للدعم الفني والمعرفة في سوريا يمكن أن يشكّل منصة وطنية لتبادل الخبرات، وإعداد الأدلة الإجرائية، وتطوير مؤشرات الأداء، وقياس تقدّم الإصلاح بشكل دوري، بما يضمن استدامة النتائج وعدم ارتباطها ببرامج زمنية قصيرة.
وأكد أن الاستفادة من خبرات الاتحاد الأوروبي وبرنامج SIGMA ينبغي أن تركّز على نقل المعرفة وبناء المؤسسات، لا على تقديم حلول جاهزة، فالإصلاح الحقيقي هو الذي يراعي خصوصية البيئة السورية، ويستند إلى أفضل الممارسات الدولية مع تكييفها بما يخدم الواقع المحلي. وعندها يصبح التحوّل الرقمي والحوكمة المالية رافعتين أساسيتين لتعزيز الثقة بالاقتصاد السوري، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وجذب الاستثمارات، وترسيخ أسس التنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة.
وكانت وزارة المالية أوضحت عبر موقعها الرسمي أن وزير المالية محمد يسر برنية بحث مع وفد من الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وبرنامج “SIGMA”، سبل دعم برنامج إصلاح الإدارة المالية العامة في سوريا، وتعزيز التعاون الفني خلال المرحلة المقبلة.
وأن الوزير استعرض أولويات الوزارة في مجالات الإصلاح المالي، وتطوير الإدارة المالية العامة، والإصلاح الضريبي، وإدارة الدين العام، وتعزيز الحوكمة، بما يدعم بناء مؤسسات مالية أكثر كفاءة وفاعلية.
كما تم التطرق إلى جهود سوريا في مكافحة الجرائم المالية.
بينما قدّم الوفد الأوروبي عرضاً لبرامج الدعم الفني المخصصة لسورية، فيما استعرض برنامج “SIGMA” مجالات الدعم الفني التي يقدّمها للمؤسسات الحكومية، ولا سيما في مجال تطوير الإدارة العامة، وتعزيز الحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية.
كما رحّب الوزير بمقترح إنشاء مركز للدعم الفني والمعرفة في سوريا، كوسيلة مهمة للاستفادة من الخبرات الأوروبية، وتم تحديد عدد من أولويات الدعم الفني، وسيتم التنسيق من خلال إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين لإعداد خطة عمل مشتركة تسهم في تعزيز القدرات المؤسسية، ودعم تنفيذ برنامج إصلاح الإدارة المالية العامة وفق أفضل الممارسات الدولية.








