في وقت تسعى فيه سورية إلى الانتقال من مرحلة التعافي إلى استعادة النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات، تكتسب الزيارات الدولية الرفيعة أهمية تتجاوز بعدها السياسي، إذ تشكل مؤشرات تراقبها المؤسسات المالية والمستثمرون العالميون عند تقييم بيئة الأعمال ومستوى المخاطر في أي دولة.
الخبير في الإستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم، قال لـ”الوطن”: إذا أردنا قراءة زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق من منظور اقتصادي تقليدي سيقال إنها تعزز الثقة، وتدعم إعادة الإعمار، وتجذب الاستثمارات، إلا أن هذه قراءة سطحية. فالمهم بالنسبة للمستثمرين وصناديق الثروة السيادية هو ما يسمى إعادة تسعير المخاطر السيادية، وهنا تكمن الأهمية الحقيقية للزيارة.
وأوضح أشرم أن الزيارة وهي الأولى منذ عام 2009، جاءت في مرحلة انتقالية تتزامن مع رفع جزء كبير من العقوبات الغربية وعودة سورية تدريجياً إلى الساحة الدولية، لكنها لن تجلب الأموال لأن الأمم المتحدة ليست بنكاً، وإنما ستسهم في خلق ما يعرف في علم الاقتصاد بـ”البنية التحتية المؤسسية للثقة”، أي أنه كلما ازدادت شرعية المؤسسات السورية دولياً انخفضت تكلفة تمويل المشاريع.

من اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد الاستثمار
وأشار إلى أن الزيارة تمثل تحولاً في نظرة المجتمع الدولي من اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد التعافي والاستثمار، وهو تحول مهم لصناديق الاستثمار ووكالات التصنيف الدولية وشركات التأمين وبنوك التنمية ومؤسسات التمويل، مبيناً أن أثر هذه الزيارة لن يظهر فوراً، وإنما يحتاج إلى ما لا يقل عن 90 يوماً.
إشارات للمستثمرين والشركات العالمية
ولفت أشرم إلى أن ما يهم المستثمر فعلياً هو الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، أبرزها ما إذا أصبحت سورية قابلة لبناء المعامل والمصانع، وإمكانية توقيع عقود تمتد لعشر أو عشرين سنة، وإمكانية تحويل الأرباح من سورية، وإمكانية اللجوء إلى التحكيم الدولي في حال حدوث أي خلاف.
وأكد أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة تسهم تدريجياً في الإجابة عن هذه الأسئلة، لأنها تعني أن المؤسسات الدولية بدأت تتعامل مع الدولة باعتبارها شريكاً في مرحلة التعافي، وليس مجرد ساحة نزاع.
ورأى أن هناك نقطة بالغة الأهمية، تتمثل في أن هذه الزيارة قد ترسل إشارات إيجابية إلى مجالس إدارات الشركات العالمية، وتغير خريطة اتخاذ القرار لديها من اعتبار سورية دولة غير قابلة للدراسة إلى دولة قابلة للتقييم الاستثماري، وذلك استناداً إلى مفهوم تعتمده كبرى الشركات العالمية يعرف باسم (Political Risk Dashboard).
الإصلاحات هي الفيصل
واختتم أشرم بتأكيد أن الزيارة تحمل قيمة رمزية كبيرة وعلى مستوى رفيع، إلا أن ما يهم سوريا على أرض الواقع هو تطوير وتطبيق نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، إلى جانب تطوير النظام المصرفي السوري بما يعزز ثقة البنوك المراسلة التي تطبق ذاتياً سياسات الحد من المخاطر خشية التعرض لغرامات الامتثال المرتفعة، كما حدث في تجارب دول مثل كوبا وإيران والسودان.
وأشار إلى أن الزيارة تمنح سورية رأس مال رمزياً، لكنها لا تنشئ “قابلية للإقراض”، فالفجوة بين الأمرين تقاس بمعايير لا علاقة لها بالبروتوكول، وإنما ترتبط بفعالية نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وسلامة السجلين العقاري والتجاري، واستقلالية القضاء التجاري، مؤكداً أن أي رأسمال دولي سيبقى في حالة انتظار ما لم تستكمل هذه البنية المؤسسية، بصرف النظر عن عدد الزيارات الدولية الرفيعة المستوى.








