المزيد

‫آخر الأخبار:‬

كيف تسهم حوافز البنك الدولي في ضبط وإدارة الدين العام؟

‫شارك على:‬
20

في خضم مسيرة التعافي الاقتصادي يأتي إعلان وزير المالية محمد يسر برنية عن اجتياز مراجعة البنك الدولي بنجاح، في توقيت بالغ الدقة والحساسية. فهو هنا لا يمثل مجرد إجراء تقني، بل هو شهادة دولية نادرة على مصداقية السياسات المالية الحكومية وهذا الاعتراف لا يمنح سوريا موارد مالية إضافية فحسب، بل يمنحها رأسمالاً سياسياً واقتصادياً أثمن بكثير، وهو الثقة التي تُعد حجر الزاوية المفقود لإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطيه الإقليمي والدولي.

أرقام الدين العام

لكن الخبر حرك الفضول لدى الكثير من المتابعين حول الدين العام وقيمه في سوريا والإجراءات التي يتم العمل وفقها لخفض نسبته وما هي التقديرات المتوافرة حول الدين العام أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أوضح للوطن أنه لا توجد أرقام رسمية دقيقة ومُحدثة ومنشورة للدين العام السوري (الداخلي والخارجي) بمنهجية دولية موحدة منذ سنوات.

التقديرات غير الرسمية السابقة كانت تضع الدين العام عند مستويات تتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي بكثير، متأثراً بانهيار قيمة العملة وتدمير القاعدة الإنتاجية. إن مجرد اجتياز مراجعة الأداء هذه يعني ضمناً أن الحكومة بدأت بتوفير بيانات مالية تسمح بحساب هذا الدين بشفافية، وهي إشارة إلى أن العملية الإحصائية والفنية في وزارة المالية قد قطعت شوطاً كبيراً لتقديم صورة أوضح.

ألا يصبح الدين عبئاً

وعن مسألة استدامة الدين العام وهو ما ورد في خبر وزير المالية بين محمد أن المقصود هو قدرة الحكومة على خدمة ديونها (سداد الفوائد والأقساط) في المستقبل دون الحاجة إلى إعادة هيكلة مؤلمة، أو تخفيض حاد في الإنفاق الأساسي، أو اللجوء لطباعة النقود التي تزيد التضخم. ببساطة، يعني ألا يصبح الدين عبئاً معيقاً للنمو. تضمن الاستدامة ألا تتجاوز تكلفة الاقتراض معدل نمو الاقتصاد بشكل مزمن. اجتياز هذه المراجعة يشير إلى أن البنك الدولي يرى أن لدى الحكومة خطة مالية متوسطة الأجل تُظهر قدرتها على التعامل مع التزاماتها.

وبالانتقال مع الدكتور محمد لآليات إدارة الدين والشفافية أوضح أن إدارة الدين: هي الاستراتيجية التي تتبعها الحكومة لتأمين احتياجاتها التمويلية بأقل تكلفة ممكنة على المدى الطويل وبدرجة مخاطرة مقبولة. تشمل الآليات: إنشاء قاعدة بيانات شاملة لجميع القروض والضمانات الحكومية، إعداد خطة اقتراض سنوية واضحة، تنويع مصادر التمويل بين داخلي وخارجي، والعمل على إطالة آجال استحقاق الديون وخفض كلفة الفائدة.

حافز البنك الدولي

وعن الحافز المخصص من صندوق النقد الدولي وأثره التنموي أنه ضمن سياسة تمويل التنمية المستدامة (SDFP) للمؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، لا تُعطى الدول منحاً وقروضاً ميسرة بناءً على حاجتها فقط، بل على أدائها في إصلاح السياسات. الحافز المذكور هو زيادة في حصة سوريا من مخصصات المنح للسنة المالية 2027. هذا يعني أن جزءاً من أموال المؤسسة الدولية للتنمية، الموجهة للدول الأكثر فقراً، سيُعاد توجيهه لمصلحة سوريا كمكافأة على التزامها بالإصلاحات المتفق عليها، بدلاً من أن تتلقى تمويلاً أساسياً أقل.

الأثر التنموي

وحول الأثر التنموي والاقتصادي لهذا الحافز بيّن أن الأثر لا يُقاس فقط بحجم المنحة المالية الإضافية. فهو متعدد الأبعاد منها أثر مضاعف للتمويل: هذه المنح ستخصص لمشاريع تنموية حيوية (كالمياه، والصحة، والتعليم، والزراعة) تعالج جذور الأزمة الاقتصادية من خلال إعادة بناء رأس المال البشري والبنية التحتية، وليس مجرد تقديم مساعدات استهلاكية. وإشارة ثقة وحافز للاستثمار: الأهم من المال هو أن هذا القرار يمثل ختم جودة من البنك الدولي. هو إشارة قوية للمانحين والمستثمرين المحتملين بأن الإصلاح الاقتصادي يسير في مسار ذي مصداقية، ما قد يشجع على تدفقات مالية مستقبلية أكبر بكثير من قيمة المنحة نفسها، إضافة لتعزيز الانضباط المؤسسي: بحد ذاته، يفرض آلية للمحاسبة والإصلاح المستمر داخل أروقة الدولة، حيث إن الحصول على الحافز مرتبط بمواصلة تنفيذ سياسات مالية رشيدة.

وفي المحصلة يرى محمد أن هذا الإعلان يمثل لحظة فارقة تتجاوز المكاسب المالية المباشرة وأن إعادة تأسيس للعقد الاجتماعي الاقتصادي على مبادئ الحوكمة والشفافية التحدي الجوهري الآن هو الانتقال من مرحلة إدارة الدين وتثبيت الاستقرار المالي، إلى مرحلة خلق النمو الاقتصادي المستدام فالشفافية وحدها لا تخلق فرص العمل، لكنها تخلق البيئة التي يمكن أن يزدهر فيها الاستثمار والإنتاج.

وبالتالي، فإن هذا النجاح في تحقيق متطلبات البنك الدولي ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة اختبار أصعب: تحويل هذا الاستقرار المالي المُستعاد إلى محرك لإعادة بناء سورية الاقتصادية والاجتماعية، بشكل يضمن ألا تبقى هذه المؤشرات الإيجابية حبيسة تقارير المؤسسات الدولية، بل أن تترجم إلى تحسن ملموس في معيشة المواطن السوري.