تتجه الأنظار إلى الأبعاد الاقتصادية لزيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، في ظل الحديث عن بحث سبل تعزيز التعاون بين الجانبين، ولا سيما في المجال الاقتصادي، وسط تساؤلات حول الفرص التي يمكن أن تفتحها هذه الزيارة أمام الاقتصاد السوري.
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، اوضح لـ”الوطن” أنه في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها سوريا والمنطقة، تبرز الزيارات الرفيعة المستوى كمؤشرات أولية على إعادة تشكيل خارطة التحالفات والمصالح الاقتصادية.
وأضاف: إن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق إلى دمشق تتجاوز البعد البروتوكولي، لتلامس جوهر الحاجة السورية الملحة لإعادة الإعمار وتأمين مصادر الطاقة، مقابل حاجة الإقليم إلى منفذ استراتيجي وامتداد تجاري، معتبراً أن هذا اللقاء يفتح الباب أمام واقعية سياسية اقتصادية جديدة تقوم على مبدأ الاقتصاد أولاً كمدخل لبناء الثقة وتحقيق المنفعة المتبادلة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

أمن الطاقة والتكامل التجاري
وحول أهمية التعاون الاقتصادي بين الجانبين، بيّن محمد أن الأهمية الاستراتيجية تبدأ من ملف أمن الطاقة والتبادل الحيوي، إذ تكمن المصلحة الكبرى لسوريا في الوصول إلى إمدادات النفط الخام من إقليم كردستان، باعتبارها شرياناً حيوياً لتشغيل المصافي المتوقفة وتوليد الكهرباء, وفي المقابل، يشكل السوق السوري المتعطش للطاقة والوقود منفذاً مربحاً للإقليم، كبديل من مسارات التصدير المعقدة والمكلفة عبر تركيا وإيران.
وأضاف: إن التعاون يمكن أن يمتد إلى التكامل التجاري واللوجستي، حيث تستطيع سوريا أن تتحول إلى ممر استراتيجي لصادرات الإقليم الزراعية والصناعية نحو البحر المتوسط عبر موانئ اللاذقية وطرطوس، الأمر الذي يوفر إيرادات من رسوم الترانزيت والجمارك للخزينة السورية التي تحتاج إلى العملة الصعبة، وفي الوقت ذاته، يمكن أن يكون إقليم كردستان قاعدة خلفية لتوريد مواد البناء والإسمنت والحديد اللازمة لمشاريع إعادة الإعمار في سوريا، مستفيداً من نشاط قطاعه الخاص.
وجهان لعملة واحدة
وأكد محمد أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن، ولا سيما في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، موضحاً أن التعاون الاقتصادي يخلق مصالح مشتركة تدفع نحو تهدئة الجبهات، وضبط المعابر غير الشرعية، وتهيئة بيئة أكثر أمناً لعودة رأس المال السوري الكردي المشترك للاستثمار في مناطق شمال وشرق سوريا.
ورأى محمد أن التعاون السوري مع إقليم كردستان العراق يمثل فرصة استراتيجية دفاعية للطرفين أكثر من كونه رفاهية اقتصادية، فبالنسبة لسوريا، يشكل هذا التعاون منفذاً عملياً لتجاوز عنق الزجاجة الذي تفرضه العقوبات الغربية وتعقيدات التمويل الدولي لإعادة الإعمار، وذلك من خلال بناء نموذج تعاون إقليمي لا مركزي يقوم على المصالح الاقتصادية الملموسة.
واختتم محمد بالتأكيد أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بثلاثة شروط أساسية، أولها إضفاء الطابع المؤسساتي على الاتفاقات بعيداً عن الشخصنة، بما يضمن استمرارها بغض النظر عن التقلبات السياسية، وثانيها ضمان الشفافية في توزيع العوائد بين المركز والأطراف داخل سوريا بما يعزز الثقة، أما الشرط الثالث فهو الإدارة الحذرة لهذا الانفتاح مع الحلفاء الإقليميين والدوليين لتجنب الاصطدام بمصالحهم، محذراً من أن غياب هذه المقومات سيجعل التعاون أسير مكاسب آنية قصيرة المدى، من دون أن يتحول إلى رافعة حقيقية للاستقرار والتنمية المستدامة.








