المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الاختبار بعد التمويل… هل تتحول المنحة إلى إصلاح؟

‫شارك على:‬
20

“في وقت تسعى فيه سورية إلى تطوير أدوات تدعم التعافي الاقتصادي، تبرز منحة البنك الدولي لتحديث القطاع المالي كاختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على تحويل التمويل الخارجي إلى إصلاح مستدام.

فالقيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن في حجم المنحة، بل في ما يمكن أن تصنعه من تغيير في طريقة عمل القطاع المالي وبناء الثقة بالاقتصاد.

أستاذ الإدارة العامة في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان اوضح  لـ”الوطن” أن منحة البنك الدولي البالغة 100 مليون دولار لدعم تحديث القطاع المالي في سورية تمثل فرصة مهمة لإصلاح القطاع المالي، مشدداً على ضرورة عدم إهدارها، باعتبار أن قيمتها الحقيقية لا ترتبط بحجمها المالي فقط، بل بقدرتها على إطلاق إصلاح مؤسسي مستدام إذا تم توظيفها بالشكل الصحيح.

استثمار في الإصلاح
وأشار حمدان إلى أن البعض قد يرى أن مبلغ المنحة لا يتناسب مع حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، إلا أن الهدف الأساسي منها لا يتمثل في تمويل النفقات الجارية أو معالجة أزمات مؤقتة، وإنما في تحديث البنية التحتية للقطاع المالي وتعزيز كفاءة مؤسساته.

وأوضح أن هذا النوع من الاستثمار يمتد أثره إلى ما هو أبعد من القطاع المصرفي، إذ ينعكس على التجارة والصناعة والاستثمار وريادة الأعمال والخدمات الحكومية، ويسهم في تهيئة بيئة اقتصادية أكثر كفاءة واستقراراً.

وأضاف إن تنفيذ المشروع وفق رؤية واضحة يمكن أن يسهم في تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وتسريع الخدمات المصرفية، وخفض تكاليف المعاملات، وتعزيز الشفافية، ورفع مستوى الثقة بالقطاع المالي، وهي عوامل تشكل أساساً لأي عملية تعاف اقتصادي وتنمية مستدامة.

النجاح مرتبط بالإدارة
وأكد حمدان أن نجاح المنحة ليس نتيجة تلقائية لتوافر التمويل، بل يعتمد على الإدارة الفعالة وحسن التنفيذ، لافتاً إلى وجود تحديات لا يمكن تجاهلها، من أبرزها تحديث البنية التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير البيئة التشريعية، وضمان التنسيق بين الجهات المعنية.

كما شدد على أهمية وجود منظومة متابعة وتقييم تقيس النتائج وتعمل على تصحيح مسار التنفيذ عند الحاجة، لأن التمويل وحده لا يصنع الإصلاح ما لم يرافقه تخطيط واضح وحوكمة فعالة.

خريطة طريق لضمان الأثر
وأوضح حمدان أن الإدارة الرشيدة لهذه المنحة تتطلب إعداد خطة تنفيذ واضحة تتضمن أهدافاً محددة وجدولاً زمنياً معلناً، إلى جانب وضع مؤشرات أداء دقيقة لقياس النتائج والإفصاح عنها بشفافية.

كما تتطلب، بحسب حمدان، الاستثمار في الكفاءات البشرية بالتوازي مع الاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير بنية تحتية آمنة ومتكاملة لأنظمة المدفوعات الرقمية، وتعزيز الحوكمة والرقابة المستقلة لضمان الاستخدام الأمثل للتمويل، إضافة إلى استثمار نجاح المشروع في جذب منح واستثمارات وتمويلات تنموية إضافية.

الإدارة تصنع الفارق
وأشار حمدان إلى أن تجربة رواندا تقدم مثالاً جديراً بالاهتمام، إذ لم يكن التحول الذي شهدته بعد مرحلة إعادة البناء قائماً على حجم التمويل الخارجي، بل على حسن توظيفه في إصلاح المؤسسات ورقمنة الخدمات وتعزيز الحوكمة.

وأوضح أن هذه التجربة انعكست على تحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة الخدمات، وزيادة ثقة المستثمرين، بما يؤكد أن الإدارة الرشيدة للتمويل هي العامل الحاسم في تحقيق الأثر الاقتصادي.

فرصة لإصلاح مالي شامل
وأكد حمدان أن سورية تمتلك اليوم فرصة مماثلة، إذ ينبغي ألا يتم التعامل مع المنحة باعتبارها مشروعاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء التمويل، بل كبداية لمسار إصلاح مالي شامل يواكب إعادة بناء الاقتصاد، ويعزز الثقة بالمؤسسات، ويمهد لجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والخارجية.

وختم حمدان بالتأكيد أن تجارب الدول المختلفة تظهر أن النجاح لم يكن مرتبطاً بحجم الأموال التي حصلت عليها، بل بجودة إدارتها لهذه الموارد، في حين أن الإخفاق غالباً ما ارتبط بضعف التخطيط وغياب المتابعة وقصور الحوكمة.

وأوضح أن التحدي أمام سورية لا يتمثل في إنفاق 100 مليون دولار، بل في تحويلها إلى مؤسسات أكثر كفاءة، وخدمات مالية أكثر تطوراً، وثقة أكبر بالقطاع المالي، واقتصاد أكثر قدرة على النمو.

فالسؤال الذي سيحكم على نجاح هذه المنحة بعد سنوات لن يكون: كم أنفق منها؟ بل: ماذا غيرت؟ وهل أصبحت نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي، أم مجرد مشروع انتهى بانتهاء التمويل؟