تستعيد الدولة السورية إدارة مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، فيما تتحول المنشآت العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بهذه الصيغة تنتقل دمشق من التفاوض على مستقبل الوجود الروسي إلى إعادة تحديد وظيفته، بعد عام ونصف العام من المباحثات.
هذه المذكرة لا تعني قطع العلاقة مع موسكو، لكنها تنهي الصيغة التي حكمت وجودها العسكري خلال عهد النظام البائد، فاستعادة إدارة منشآت مدنية، مع تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، تعني أن الوجود الروسي لم يعد واقعاً مفتوح الوظيفة، وإنما أصبح ترتيباً جديداً تحدد الدولة السورية إطاره.
ولم تأت هذه النتيجة منفصلة عن المسار السياسي الذي اتبعته دمشق منذ سقوط النظام، فقد أبقت قنوات الحوار مع موسكو مفتوحة واستقبلت المسؤولين الروس، وناقشت ملفات الاقتصاد وإعادة الإعمار والتعاون العسكري، فيما ظل مستقبل القواعد حاضراً في صلب المفاوضات.
هذه المقاربة أتاحت لدمشق الضغط عبر التفاوض بدل تحويل ملف السيادة إلى مواجهة مباشرة مع قوة دولية كبرى.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد وضع هذا الاتجاه بوضوح خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، عندما تحدث عن إعادة تعريف طبيعة العلاقات السورية-الروسية، ما يتناسب مع المرحلة الجديدة ويضمن استقلال القرار والسيادة الوطنية، وفي ذلك اللقاء كان مستقبل القواعد حاضراً ضمن الملفات الحساسة التي تبحثها موسكو ودمشق.
لذلك تبدو المذكرة الحالية أقرب إلى ترجمة عملية لذلك التصور: لا إلغاء للعلاقة، ولا إبقاء للوجود على صورته السابقة؛ وإنما إعادة توزيع للوظائف وفق مصالح الطرفين.
ويكتسب هذا التحوّل قيمة أكبر في ضوء أهمية الموقعين، حميميم وطرطوس كانا عنوانين أساسيين للوجود العسكري الروسي في سوريا، كما يمثلان بالنسبة إلى موسكو منفذاً استراتيجياً على المتوسط، ولهذا فإن الوصول إلى صيغة توافقية بشأنهما يعكس قدرة دمشق على التفاوض مع قوة كبرى من دون التفريط بحقها في تحديد طبيعة الوجود الأجنبي على أراضيها.
وتكشف المذكرة هذا التوازن بوضوح: موسكو تحتفظ بقناة تعاون عسكري عبر التدريب والتأهيل، ودمشق تستعيد إدارة المنشآت المدنية وتعيد ضبط طبيعة الحضور العسكري، هكذا يتحول الوجود الروسي من امتياز مرتبط بمرحلة سياسية سابقة إلى علاقة تحددها تفاهمات مع الدولة السورية الجديدة.
أما الرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، فلا يمكن اختزاله في منشأة مرفئية، استعادة إدارته تعني استرداد مورد اقتصادي وموقع استراتيجي إلى منظومة الدولة، ما يعزز قدرة دمشق على إدارة مواردها الطبيعية وتوظيفها في الاقتصاد الوطني.
ويأتي تسلّم الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي إدارة مطار اللاذقية ليمنح هذا المسار بعداً تنفيذياً.
حتى حضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني داخل المنشآت التي شملتها المذكرة يحمل دلالة تتجاوز الصورة، فالمشهد يعكس انتقال الملف من ترتيبات ورثتها سوريا عن عهد النظام البائد إلى تفاوض مباشر بين دولتين، تحدد فيه دمشق ما تقبله وما ترفضه وفق مصالحها العليا.
ومن هذه الزاوية، ترسم حميميم وطرطوس قاعدة أوسع للسياسة الخارجية السورية: لا عداء مجاني مع القوى الكبرى ولا تبعية لها؛ ولا ارتهان لقوى إقليمية، ولا تحويل الانفتاح عليها إلى وصاية جديدة، المصالح قابلة للتفاوض، أما السيادة فلا تدخل سوق المقايضة.
هذه المعادلة ترسم إطار العلاقة مع موسكو: روسيا شريك في سوريا الجديدة، لا صاحب قرار فيها؛ والتعاون مستمر، لكن حدود الوجود ووظيفته تحددها دمشق.
الوطن- أسرة التحرير






