المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المصارف من وسيط مالي إلى أمين صندوق

‫شارك على:‬
20

تتحوّل أزمة المصارف من مشكلة سيولة إلى عائق أمام التعافي الاقتصادي بعدما فقد القطاع جزءاً كبيراً من دوره كوسيط مالي قادر على جذب المدّخرات وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج ليقتصر دوره في كثير من الحالات على إدارة النقد وتلبية الاحتياجات التشغيلية المحدودة.

أزمة السيولة

يرى الباحث الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الصباغ في تصريح لـ”الوطن” أن السبب الجذري للأزمة يتمثّل في تحوّل المصارف من وسيط مالي إلى ما يشبه أمين الصندوق نتيجة أزمة السيولة وتراجع قدرة مصرف سوريا المركزي على استخدام أدوات السياسة النقدية بفاعلية.

ويشير الصباغ إلى أن تركيز المصرف المركزي على عملية استبدال العملة جعله منشغلاً بإدارة الأوراق النقدية على حساب دوره في تنشيط الاقتصاد وإدارة السيولة بما يدعم النشاط الإنتاجي.

دور تنموي معطّل

ويؤكد أن المصارف العاملة في سوريا أصبحت غارقة في أزمة سيولة تحدّ قدرتها على تلبية طلبات السحب وتحول دون استئناف دورها في منح القروض وتمويل الاستثمار وإعادة الإعمار.

وبذلك تحوّلت الودائع في جزء كبير منها إلى أرقام مصرفية تفتقد قدرتها على التحوّل إلى تمويل فعلي للنشاط الاقتصادي وهو ما يفرغ القطاع المصرفي من وظيفته الأساسية كحلقة وصل بين المدّخرات والاستثمار.

السيولة المحبوسة

ويظهر شلل النشاط المصرفي، بحسب الصباغ، في مجموعة من الإجراءات التي أدت إلى حبس السيولة ومنها تحويل ودائع القطاع العام إلى حساباته والموافقة المسبقة على صرف الشيكات الحكومية.

ويرى أن هذه الإجراءات انعكست على حركة الأموال وأدت إلى تأخير دفع مستحقّات المورّدين وتعطيل تنفيذ عدد من المشاريع الحكومية والخاصة لتتحوّل مشكلة السيولة المصرفية إلى مشكلة في الدورة الاقتصادية بأكملها.

تمويل غائب

ومع نقص السيولة اتجهت المصارف إلى الامتناع عن منح القروض والتسهيلات الائتمانية أو تشديد شروط الحصول عليها بدرجة كبيرة، الأمر الذي أضعف قدرتها على دعم القطاعات الانتاجية وعمّق حالة الركود.

ويحذّر الصباغ من أن استمرار هذا الوضع يعني بقاء المصارف خارج دائرة إعادة الإعمار في وقت يُفترض أن تكون فيه أحد أهم محرّكات التمويل والاستثمار.

ثقة تتراجع

ولا تقف تداعيات الشلل المصرفي عند حدود القطاع المالي بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي والثقة بالبيئة الاستثمارية.

وبحسب تقديرات البنك الدولي نما الاقتصاد السوري بنحو 1 بالمئة فقط خلال عام 2025 بعد انكماش خلال عام 2024، وهو أداء يعكس عمق الهشاشة الاقتصادية التي تتداخل فيها عوامل متعدّدة، بينها ضعف النشاط المالي والتمويلي.

ويرى الصباغ أن الإجراءات المصرفية أوجدت أيضاً حالة من عدم الثقة لدى العملاء والمستثمرين بعدما أصبحت مؤشراً إلى ضعف قدرة النظام المصرفي والضغوط المالية التي تواجهها الجهات العامة.

اقتصاد خارج المصارف

وتنعكس هذه الأزمة اجتماعياً من خلال تراجع النشاط الاقتصادي وتفاقم الفقر والبطالة وتآكل القدرة على حماية المدّخرات، فيما تؤدي هشاشة البنية المصرفية إلى إضعاف قدرة سوريا على الاندماج في النظام المالي العالمي وجذب الاستثمارات الخارجية.

ومع غياب الخدمات المصرفية الفاعلة يتوسّع النشاط خارج القنوات الرسمية ويتزايد اللجوء إلى شركات الصرافة والمضاربة على العملة واقتصاد الظل، وهو ما يضيف ضغوطاً جديدة على الاستقرار النقدي والمالي.

كسر الحلقة

ويخلص الصباغ إلى أن القطاع المصرفي السوري يواجه أزمة مركّبة من السيولة والثقة وضعف القدرة على تمويل النشاط الاقتصادي، وهو ما ينعكس على النمو والاستثمار وإعادة الإعمار.

ويرى أن تجاوز هذه الحلقة المفرغة يتطلب إصلاحاً جذرياً يعيد هيكلة القطاع المصرفي ويعيد بناء الثقة ويمنح المصارف القدرة على استعادة دورها كوسيط مالي وتنموي ويفتح الطريق أمام اندماج النظام المصرفي السوري في الأسواق المالية العالمية.

وتبدو القضية في جوهرها أكبر من أزمة مصارف، فحين تتوقف المصارف عن تحويل المدّخرات إلى استثمار تتحوّل أزمة السيولة إلى أزمة نمو، وحين يفقد الاقتصاد قنوات التمويل تصبح إعادة الإعمار نفسها أكثر كلفة وأبطأ مساراً.

مواضيع: