المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تنزيلات وهمية أم تصفية تحت الضغط؟.. ماذا يجري في الأسواق؟

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

«تنزيلات 50%»، و«تصفيات وعروض بأسعار غير مسبوقة» هذه العبارات ملأت واجهات معظم المحال التجارية. عروض تبدو للوهلة الأولى فرصة للمستهلك، لكنها تفتح في المقابل سؤالاً بسيطاً: هل انخفضت الأسعار فعلاً، أم إن التخفيض جرى احتسابه على أسعار مرتفعة أصلاً؟

في جولة على الأسواق، قامت بها “الوطن” تبدو المفارقة واضحة. مواطنون أكدوا أن بعض السلع التي تعرض اليوم ضمن الحسومات كانت تباع قبل أيام أو أسابيع بأسعار مختلفة، وفي بعض الحالات لا يبدو الفرق بين السعر «قبل الحسم» والسعر الفعلي اليوم كبيراً كما توحي به النسبة المعلنة…

أحد المتسوقين يقول إن الأسعار تتغير بسرعة، وما يسمى خصماً أحياناً لا يعني أن السلعة أصبحت رخيصة، بل إن السعر الجديد هو تقريباً السعر الذي كان يجب أن تباع به من البداية. ويضيف: نحن لا ننظر إلى نسبة الخصم، بل إلى السعر النهائي. إذا كان الراتب لا يكفي، فلن يفيدني أن يقول لي البائع إن السلعة عليها حسم 50 بالمئة.. أو حتى 70 بالمئة.

وهذه الشهادات تتقاطع مع ما شهدته الأسواق خلال الفترة الماضية من ركود وضعف في القدرة الشرائية. ففي سوق الألبسة مثلاً، أشارت تقارير خلال 2026 إلى أن التنزيلات بدأت في بعض الحالات مبكراً نتيجة حالة الكساد، بينما وصلت الحسومات المعلنة في مواسم سابقة إلى أكثر من 70 بالمئة.

لكن هل يعني ذلك أن التجار كانوا يحققون أرباحاً ضخمة؟

الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى أوضح لـ”الوطن” أن الإجابة ليست بهذه البساطة. ويقول إن «وجود تخفيض كبير لا يعني بالضرورة أن التاجر كان يحقق أرباحاً مبالغاً فيها، لكنه بالتأكيد يجعل المستهلك يتساءل عن طريقة تشكيل السعر السابق، وخصوصاً عندما يكون الفرق بين السعرين كبيراً.

ويضيف إن التاجر اليوم قد يكون مضطراً إلى التخلي عن جزء من هامش ربحه لتصريف المخزون وتحويله إلى سيولة، لأن بقاء البضاعة في المستودعات يعني تجميد رأس المال، بينما ضعف الطلب الشرائية ضعيفة، والتاجر يريد البيع، والمواطن يريد الشراء لكن تأجيل قراره يجعل انتظار الزبون بالسعر القديم أكثر كلفة.

المشكلة، وفق الخبير، أن السوق دخلت في معادلة صعبة: الأسعار مرتفعة، والقدرة وتظهر الأرقام حجم المشكلة. فقد سجل مؤشر أسعار المستهلك، وفق نشرة مركز أبحاث السياسات السورية، ارتفاعاً شهرياً بنسبة 2.6% في آذار 2026 مقارنة بالشهر الذي قبله، بينما تعتمد النشرة على مسح لـ58 سوقاً و112 سلعة وخدمة في مختلف المناطق السورية.

وفي نيسان، أظهرت بيانات رسمية لمعدل التضخم السنوي ارتفاعه إلى 27.5% مقابل 26.5% في آذار، ما يعني أن انخفاض بعض الأسعار في قطاعات محددة لا يعني بالضرورة أن كلفة المعيشة تراجعت بالوتيرة نفسها.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: التاجر يعلن الخصم، لكن المواطن لا يملك بالضرورة القدرة على الاستفادة منه.

فالتخفيض الحقيقي يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً ويعيد المنافسة إلى السوق، أما التخفيض المبني على سعر سابق مرتفع أو غير واضح، فلا يفعل أكثر من إعطاء المستهلك انطباعاً بأنه حصل على صفقة رابحة.

وأفاد انه في السلع الموسمية تحديداً، تصبح المشكلة أكبر، لأن تأخر التصريف قد يعني أن البضاعة ستفقد جزءاً من قيمتها السوقية مع دخول موسم جديد.

لذلك فإن التخفيض بالنسبة إلى بعض التجار ليس بالضرورة اعترافاً بأن الأسعار السابقة كانت مبالغاً فيها، وإنما قد يكون محاولة لتقليل الخسارة أو تحرير السيولة.

وهذا ما يجعل قراءة التخفيضات من زاوية واحدة أمراً غير دقيق. والأخطر حسب د. المصطفى أن انتشار العروض بشكل واسع قد يكون مؤشراً إلى شيء آخر تماماً: السوق نفسها تعاني الجمود.

فلو كان الطلب قوياً، لما احتاجت نسبة كبيرة من المحال إلى تصفية بضائعها بهذا الشكل. وكلما طال بقاء البضاعة، زادت حاجة التاجر إلى البيع حتى لو كان هامش الربح أقل.

لذلك، فإن السؤال اليوم ليس فقط: كم بلغت نسبة الحسم؟.. بل «من الذي اضطر إلى تقديم هذا الحسم، ولماذا؟

فإذا كان السبب انخفاض التكلفة، فهذه أخبار جيدة. أما إذا كان السبب ركود الأسواق وضعف القدرة الشرائية، فإن التخفيضات تصبح مؤشراً إلى أزمة أعمق؛ أزمة لا تعالجها اللافتات الحمراء على واجهات المحال، وإنما تحتاج إلى تحسن حقيقي في دخل المواطن وقدرته على الشراء. لأنه حتى لو نجحت التخفيضات في تحريك جزء من المبيعات، فإنها لن تكون كافية وحدها لإعادة النشاط إلى الأسواق.

فالطلب -وفق الخبير- يرتبط بالدخل والقدرة الشرائية والثقة بالمستقبل واستقرار الأسعار وتكاليف الإنتاج والتجارة.

وإذا بقي دخل الأسر أقل بكثير من تكاليف المعيشة، فإن أي انخفاض في سعر سلعة معينة سيبقى محدود الأثر في حجم الاستهلاك الإجمالي.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في خفض الأسعار، وإنما في ردم الفجوة بين الأسعار والدخول.

فالخصم قد يخفض السعر، لكنه لا يصنع زبوناً إذا كان جيبه فارغاً.