المزيد

‫آخر الأخبار:‬

زادت الرواتب.. فهل تحسنت حياة الموظفين؟

‫شارك على:‬
20

لا يمكن قياس قيمة الراتب في اقتصاد خرج من سنوات طويلة من الاختلالات بالأرقام وحدها، فالمعيار الأكثر دلالة هو ما يستطيع هذا الراتب أن يشتريه فعلياً من سلع وخدمات، وما إذا كان المواطن يحصل مقابل ما يدفعه على خدمات حقيقية ومنتظمة…. كما تطرح المرحلة الحالية سؤالاً أكثر تعقيداً: هل عكست زيادة الرواتب تحسناً فعلياً في القوة الشرائية في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة؟

أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أوضح لـ”الوطن” أنه من زاوية التفاؤل الاقتصادي المبني على المعطيات الواقعية، لا يمكن النظر إلى الوضع الحالي بمعزل عن المرحلة السابقة التي عاشها المواطن السوري في ظل النظام البائد، حيث كان الدخل الاسمي شبه معدوم القيمة، وكانت الخدمات الأساسية إما غائبة أو تخضع لفساد إداري وابتزاز يومي، وكان المواطن يدفع ثمن الكهرباء والماء والخبز من كرامته قبل جيبه، على أساس أنها خدمات مدعومة.

وأضاف إنه اليوم، ومع كل التحديات القائمة، ثمة حراك اقتصادي يحاول إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس أكثر شفافية، حيث أصبحت الخدمات تُقدَّم فعلاً وإن بكلفة أعلى، وأصبح المواطن يدفع فواتير حقيقية مقابل خدمات يحصل عليها، لا مقابل وعود فارغة، معتبراً أن هذا بحد ذاته تحول جوهري يستحق التوقف عنده في أي تقييم اقتصادي عادل.

هل تحسن دخل المواطن فعلاً؟

وحول ما إذا كان دخل المواطن قد تحسن فعلياً أم إن الزيادة بقيت رقمية على الورق، قال محمد إنه بمقارنة بسيطة مع ما كان عليه الحال في زمن النظام البائد، يمكن القول إن دخل المواطن تحسن من حيث القيمة الفعلية والقدرة على التصرف به، حتى لو لم يصل بعد إلى مستوى الطموح.

وأوضح أن الراتب في السابق كان يُصرف على سلع غير متوافرة أصلاً، أو يُدفع معظمه رشا وبدل خدمات كانت الدولة عاجزة عن تأمينها، أما اليوم، ورغم ارتفاع الأسعار، فإن الراتب يذهب إلى احتياجات حقيقية تصل إلى المواطن، فالكهرباء تدخل المنازل لساعات أطول، والاتصالات باتت متاحة دون الحاجة إلى وسيط، والخبز يتوفر بانتظام ولو بسعر أعلى.

وبهذا المعنى، يرى محمد أن الزيادة لم تعد رقمية على الورق، بل أصبحت تنعكس على استقرار معيشي ملموس، حتى لو لم تكتمل بعد صورته المثالية.

القوة الشرائية والتضخم

وعن كيفية قياس القوة الشرائية الحقيقية للراتب في سورية اليوم، وما إذا كانت المقارنة الأدق تكون بعدد ساعات العمل أو بعدد السلع والخدمات التي يستطيع المواطن شراءها، بدلاً من الاكتفاء بنسبة الزيادة في الراتب، قال محمد إن المقارنة الأكثر عدلاً لقياس القوة الشرائية في الحالة السورية الحالية يجب أن تكون مقارنة مركبة لا تكتفي بمؤشر التضخم وحده.

وأوضح أن ذلك يتطلب أولاً النظر إلى عدد السلع والخدمات المتاحة فعلياً للراتب، ففي السابق كانت السلع موجودة في السوق السوداء فقط وبأسعار مضاعفة، بينما اليوم أصبحت متاحة بشكل نظامي للجميع، كما يجب النظر إلى عدد ساعات العمل اللازمة للحصول على خدمة أساسية، مثل الكهرباء والاتصالات، ففي السابق كان المواطن يعمل أياماً كاملة أو يدفع أضعافاً مضاعفة للحصول على أمبيرات إضافية أو شريحة اتصال، أما اليوم فأصبحت الخدمة رسمية وبسعر معلن وموحد.

وأشار إلى أن المقارنة يجب أن تأخذ أيضاً في الاعتبار الاستقرار النسبي في سعر الصرف مقابل ما كان عليه من فوضى عارمة، الأمر الذي يجعل التخطيط الأسري الشهري ممكناً.

ولذلك، يرى محمد أن قياس القوة الشرائية اليوم يكون أفضل حالاً إذا ما تمت المقارنة مع نقطة الانهيار الاقتصادي في سنوات النظام البائد، حيث كانت قيمة الراتب لا تقاس بعدد السلع، بل بعدد ساعات انتظار الفرن أو المولد أو محطة الوقود.

تحسن معيشة أم إعادة توزيع للراتب؟

وعن تأثير ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية في أي زيادة للأجور، وما إذا كان ذلك يعني تحسناً في مستوى المعيشة أم مجرد إعادة توزيع للراتب بين بنود الإنفاق، وما الحد الأدنى المطلوب حتى يشعر المواطن بتحسن حقيقي في قدرته الشرائية، قال محمد إنه من منظور مقارن، نحن اليوم أمام تحسن تدريجي في مستوى المعيشة وليس مجرد إعادة توزيع للراتب.

وأوضح أن المواطن كان يدفع في السابق على الخدمات نفسها أكثر بكثير، ولكن عبر قنوات غير رسمية، مثل المولدات الخاصة وشراء الماء الصالح للشرب وبدلات الاتصالات المرتفعة أما اليوم، فتذهب المدفوعات إلى خزينة الدولة وليس إلى جيوب المستفيدين، ما يعني أن هذه الأموال قد تعود نظرياً إلى تحسين البنية التحتية والخدمات، وهو أثر لا يظهر فوراً لكنه يظهر على المدى المتوسط.

وأضاف أن هناك قاعدة أساسية في الاقتصاد الانتقالي، وهي أن ألم الإصلاح في بدايته قد يكون مساوياً لألم الانهيار، لكن الفرق أن الأول ينتهي إلى تعافٍ، بينما الثاني كان ينتهي إلى مزيد من الانهيار.

أما بالنسبة إلى الحد الأدنى المطلوب حتى يشعر المواطن بتحسن فعلي، فأوضح محمد أنه يكفي اليوم أن تكون الزيادة قادرة على تغطية كامل ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، مع هامش بسيط يتراوح بين 5 و10بالمئة فوق ذلك، على أن تترافق مع استمرار تحسن توفر الكهرباء والاتصالات والمواصلات وانتظامها.

وأشار إلى أن الإحساس بالتحسن في هذه المرحلة لا يأتي فقط من قيمة الراتب، بل من انتهاء عصر الفوضى والعشوائية والابتزاز، وهو ما بدأ المواطن يلمسه فعلاً في مناطق عدة.

وختم محمد برأي أكاديمي اقتصادي، قال فيه إنه يمكن القول إن الاقتصاد السوري يعيش مرحلة تعافٍ انتقالي وليس أزمة انهيار كما كان في سنوات النظام البائد وصحيح أن الأعباء المعيشية لا تزال كبيرة، وصحيح أن الرواتب لم تصل بعد إلى مستوى الكفاية الكاملة، لكن الاتجاه العام يسير من اقتصاد الفوضى والندرة إلى اقتصاد الخدمة والرسمية.

وأضاف أن المؤشر الحقيقي على التحسن ليس فقط في قيمة الراتب، بل في أن المواطن السوري بدأ يستعيد إحساسه بأن ما يدفعه يقابله شيء ملموس، وأن الخدمات التي كانت يوماً سلعة نادرة تباع في الظلام أصبحت اليوم حقاً يُقدَّم عبر فاتورة معلنة، معتبراً أن هذا بحد ذاته يُعد تحولاً تاريخياً في العلاقة بين المواطن والدولة، يستحق البناء عليه بتفاؤل حذر، مع الإصرار على مواصلة الإصلاح المالي والخدمي حتى يتحول هذا الاتجاه إلى واقع معيشي أفضل للجميع.