المزيد

‫آخر الأخبار:‬

التعدين السوري على طريق الاستثمار التركي

‫شارك على:‬
20

‏‏‏تفتح المباحثات السورية التركية في قطاع التعدين الباب أمام مرحلة جديدة تتجاوز استكشاف الثروات المعدنية واستخراجها نحو استثمارها في صناعات تحويلية قادرة على توليد قيمة مضافة ودعم الاقتصاد الوطني خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وجاءت المباحثات التي عُقدت في دمشق بين الشركة السورية للتعدين ووفد تركي متخصّص في وقت تتجه فيه الجهود إلى تحويل مذكّرات التفاهم إلى عقود استثمارية تنفيذية تشمل الفوسفات وخام الحديد والصناعات التعدينية المرتبطة بهما، إلى جانب بحث فرص التعاون في الطاقة الحرارية الأرضية.

‏وتكتسب مشاريع الفوسفات أهمية خاصة نظراً لإمكانية الانتقال من تصدير الخام إلى تصنيع منتجات كيميائية وتعدينية ذات قيمة اقتصادية أعلى، وهو توجّه تتبناه تجارب تعدين إقليمية تقوم على ربط التعدين بالصناعة بدلاً من الاكتفاء ببيع المواد الأولية.

‏كما تركّز التعاون المقترح على خام الحديد بما يمكن أن يوفّر مدخلات للصناعات المحلية ويدعم احتياجات مرحلة إعادة الإعمار في وقت تحتاج فيه سوريا إلى توسيع قاعدتها الصناعية وتقليل الاعتماد على استيراد المواد الأولية والمنتجات المعدنية.

‏وفي ملف الطاقة تبرز الطاقة الحرارية الارضية كأحد مجالات التعاون الجديدة، إذ يمكن لهذه المصادر أن توفّر طاقة مستقرة ونظيفة في المواقع التي تتوافر فيها الشروط الجيولوجية المناسبة بما يعزّز تنويع مصادر الطاقة ويدعم المشروعات الصناعية والتعدينية.

‏ويرى خبير الطاقة والتعدين الدكتور محمد السلامة أن أهمية التعاون السوري التركي لا تكمن في استخراج الخامات بحد ذاته، وإنما في بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من الاستكشاف والتعدين ولا تنتهي عند تصدير الخام، بل تمتد إلى المعالجة والتصنيع والمنتجات النهائية.

‏ويشير السلامة إلى أن نجاح هذه المشاريع يتطلب دراسات جيولوجية دقيقة وتقييماً اقتصادياً للاحتياطيات وتحديد نوعية الخامات وتكاليف استخراجها ومعالجتها قبل الانتقال إلى مرحلة العقود التنفيذية، كما أن تطوير البنية التحتية والطاقة والنقل يمثّل عاملاً أساسياً في رفع الجدوى الاستثمارية للمشاريع التعدينية.

‏ويؤكد أن تحديث المخابر التعدينية وبناء الكوادر المحلية يمثّلان جزءاً أساسياً من أي استراتيجية ناجحة لقطاع التعدين، لأن الاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى قاعدة علمية وفنية قادرة على مواكبة التقنيات الحديثة وإدارة عمليات الاستكشاف والمعالجة وفق المعايير الدولية.

‏وتتضمن المباحثات السورية التركية أيضاً برامج لتحديث المخابر التعدينية وتعزيز البحث العلمي والتدريب وإيفاد المهندسين إلى الدراسات العليا في مجالات الجيولوجيا والتعدين، وهو ما يمكن أن يُشكّل قاعدة لبناء خبرات سورية متخصّصة قادرة على إدارة القطاع مستقبلاً.

‏وتبقى الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي الانتقال من التفاهمات إلى عقود واضحة ومعلنة تُحدّد حجم الاستثمارات وحقوق الدولة والشركاء وآليات تقاسم العوائد والالتزامات البيئية وبرامج التنفيذ، بما يضمن أن تتحوّل الثروة المعدنية السورية من موارد كامنة إلى قاعدة إنتاجية وصناعية حقيقية.

‏فالتحدّي لم يعد في امتلاك الثروات المعدنية فقط، بل في كيفية استثمارها وتحويلها إلى صناعة وفرص عمل وإيرادات واستثمارات مستدامة، وهو ما يجعل الشراكة السورية التركية أمام اختبار عملي يبدأ من توقيع العقود ولا ينتهي إلا بظهور مشروعات إنتاجية على الأرض.