المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الاقتصاد السوري… انتقال أم إعادة تدوير؟

‫شارك على:‬
20

‏‏يواجه الاقتصاد السوري اليوم أزمة هوية تتجاوز مؤشرات النمو والأسعار وسعر الصرف لتصل إلى طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه فبعد عقود من الاقتصاد الموجه ومحاولات الانفتاح ثم سنوات الحرب وما أفرزته من اقتصاد مواز واحتكارات وشبكات ريعية يبرز السؤال هل انتقلت سوريا فعلاً إلى اقتصاد حر أم ما زالت عالقة في نموذج هجين.

‏هجين اقتصادي
‏يقول أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد إن الاقتصاد السوري لم ينجح حتى الآن في التحول إلى اقتصاد حر بالمعنى الأكاديمي وإنما يعيش حالة من الاقتصاد الهجين الذي يجمع بين بقايا الاقتصاد الموجه وممارسات رأسمالية ريعية غير منتجة واقتصاد حرب مواز.

‏ويشير محمد إلى أن أبرز ملامح هذا الواقع تتمثل في ازدواجية السوق بين سوق رسمية تخضع لقيود مصرفية وسعرية وسوق مواز يتحكم بجزء كبير من المعاملات اليومية الأمر الذي يضعف آلية التسعير ويحد من قدرة السوق على العمل بكفاءة.

‏كما يلفت إلى ضعف المنافسة وتركز الثروات في أيدي فئات محدودة ما أدى إلى نشوء أنماط احتكارية لا تنسجم مع قواعد اقتصاد السوق الحقيقي

‏مؤسسات ضعيفة
‏ويرى محمد أن ضعف المؤسسات التنظيمية يمثل أحد أبرز عوائق التحول الاقتصادي في ظل الحاجة إلى أطر قانونية أكثر فاعلية لحماية الملكية والعقود وقضاء تجاري متخصص وهيئات رقابية قادرة على فرض قواعد المنافسة والحد من الاحتكار.

‏ويضيف أن المشكلة لا تتوقف عند الجانب المؤسسي بل تمتد إلى هيكل الإنتاج نفسه إذ تراجع دور قطاعات  الزراعة والصناعة لمصلحة التجارة والخدمات والتحويلات ما أضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة مضافة محلية وزاد الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك.

‏كلفة التحول
‏وبحسب محمد فإن أي تحول اقتصادي لا يمكن أن يكون مستداما إذا جرى تحميل المواطن وحده تكلفته خصوصا في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها السوريون
‏ويؤكد أن تخفيف كلفة التحول يتطلب إعادة هيكلة الدعم ليصل إلى الفئات الأكثر احتياجا وبناء شبكة أمان اجتماعي حقيقية إلى جانب اعتماد ضرائب أكثر عدالة على الثروات والريوع ومكافحة التهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي.

‏كما يشدد على ضرورة إدارة ملف سعر الصرف بصورة تدريجية ومدروسة مع حماية القدرة الشرائية للأجور والدخول الثابتة بدلاً من تحرير مفاجئ قد يؤدي إلى زيادة الضغوط المعيشية.

‏الإنتاج أولا
‏ويعتبر محمد أن دعم الإنتاج المحلي ولا سيما الزراعة والصناعة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة يمثل مدخلاً أساسيا للإصلاح لأنه يوفر فرص العمل ويزيد القيمة المضافة ويخفف الاعتماد على الاستيراد والطلب على القطع الأجنبي.

‏كما يرى أن مكافحة الاحتكار والاقتصاد غير الرسمي يجب أن تتم عبر مؤسسات فاعلة لحماية المنافسة والمستهلك دون العودة إلى التدخل الإداري الشامل في الأسواق

‏إصلاح و بناء مؤسسات
‏ويخلص محمد إلى أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات اقتصادية سليمة تقوم على الشفافية والمنافسة وسيادة القانون والحماية الاجتماعية.

‏ويؤكد أن اقتصاد السوق ليس غاية بحد ذاته وإنما وسيلة لتحقيق النمو والاستقرار وتحسين مستوى المعيشة وأن أي تحرير اقتصادي لا ترافقه مؤسسات قوية وقواعد واضحة للمنافسة وحماية اجتماعية فعالة قد يتحول إلى إعادة إنتاج للريع والاحتكار بدلاً من تحقيق الإصلاح.

‏وبذلك فإن السؤال الاقتصادي السوري لا يتعلق فقط بما إذا كانت البلاد قد انتقلت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق بل بما إذا كانت تمتلك المؤسسات والإنتاج والقوانين والحماية الاجتماعية التي تجعل هذا الانتقال حقيقياً وقابلاً للاستمرار.