تدخل سوريا، مع انقضاء مهلة الأيام الخمسة والأربعين التي خصّصها الكونغرس الأميركي للمراجعة، طوراً جديداً في مسار رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتغلق بذلك صفحة قانونية اتّسمت بقدر كبير من الحساسية منذ عام 1979، وتضع الحدث في موضعه الطبيعي بوصفه انتقالاً يتجاوز حدود الإجراء العابر إلى ما يعيد تشكيل مقاربة هذا التصنيف.
وتنهض اللحظة، في بعدها القانوني، بوصفها محطة تستوجب قدراً من التروّي والدقّة؛ فانتهاء مهلة المراجعة لا يُسقط الآثار القانونية والقيود المفروضة على سوريا دفعة واحدة، غير أنّه يرفع عقبة إجرائية ظلّت تعترض المسار التنفيذي، ويفتح أمام الإدارة الأميركية السبيل إلى متابعة الخطوات اللازمة لإنهاء التصنيف وترتيب آثاره القانونية والمؤسساتية.
وتجدر الإشارة إلى أن القراءة الاستراتيجية للحدث تتقدّم في أهميتها على القراءة القانونية وحدها، وتكشف أن عودة الدول إلى النظام الدولي لا تتحقّق بقرار منفرد، ولا تُستعاد المكانة الاقتصادية بإلغاء عقوبة واحدة، وتتبلور حين تتغيّر نظرة المؤسسات والدول والأسواق إلى الدولة المعنية، من كيان عالي المخاطر ومعزول سياسياً، إلى كيان قابل للتعامل والاستثمار وبناء المصالح الطويلة الأمد معه.

وتظهر أهمية رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في الرسالة التي تتلقّاها المصارف والمؤسسات المالية وشركات التأمين والمستثمرون والحكومات، ويُدرك رأس المال أن الخطابات السياسية لا تكفي وحدها، ويقرأ مستوى المخاطر القانونية، وإمكان تحويل الأموال، وضمان العقود، واستقرار البيئة التنظيمية، وقدرة الدولة على حماية الاستثمارات، ويتشكّل من مجموع هذه العناصر الانطباع الذي يحدّد موقع سوريا في خريطة الاقتصاد العالمي.
ووجب التنويه إلى أن الخطوة الأميركية تمثّل بداية طور جديد في مسار الانفتاح على سوريا، وتضع الدولة أمام فرصة لإعادة بناء موقعها السياسي والاقتصادي على نحو متدرّج. وتتقدّم هذه الفرصة حين يُصار إلى تحويل الانفتاح السياسي إلى مسار اقتصادي متكامل، يبدأ بمعالجة القيود القانونية المتبقية، ويمتد نحو ترميم الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، وينتهي بتهيئة بيئة داخلية قادرة على استقبال الاستثمارات وصونها وتحويلها إلى إنتاج وفرص عمل ونمو مستدام.
وتبدأ عند هذه النقطة مسؤولية الدولة السورية، إذ إن رفع القيود الخارجية، مهما بلغت أهميته، لا يكتسب أثره الكامل ما لم يرافقه إصلاح داخلي في التشريعات والقضاء والقطاع المصرفي والإدارة العامة وحماية الملكية والاستثمار. وتستطيع الدبلوماسية فتح الأبواب، غير أن المؤسسات وحدها تملك القدرة على إبقائها مفتوحة وصياغة التحوّل السياسي في صورة قوة اقتصادية مستقرة.
وتقتضي المرحلة الراهنة الفصل الواضح بين تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب وبين بقية القيود والتشريعات والإجراءات الأميركية التي تمتلك مسارات قانونية مستقلة. ويتحقّق النجاح الحقيقي حين تُبنى استراتيجية سوريا متدرجة لتفكيك ما تبقى من عوائق، ملفاً بعد آخر، ضمن تفاوض منظم يحفظ المصالح الوطنية، ويعيد ترتيب العلاقة القانونية مع الخارج.
ويظهر البعد الاستراتيجي للحدث في اتساع نطاق تأثيره، إذ يتجاوز العلاقة الثنائية بين دمشق وواشنطن، ويُسهم في تخفيض مستوى المخاطر السياسية المرتبطة بالتعامل مع سوريا دولياً، ويمنح الدول والشركات والمؤسسات مساحة أوسع لإعادة تقييم حضورها في السوق السورية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاتصالات والمصارف وإعادة الإعمار والاستثمار الصناعي.
ويتيح هذا التحوّل لسورية فرصة لإعادة تعريف موقعها، لا بوصفها دولة تسعى إلى رفع العزلة عنها، وإنما دولة تستعيد تدريجياً قدرتها على بناء الشراكات وصناعة المصالح. وتحتاج هذه المرحلة إلى سياسة خارجية هادئة وواقعية، تعرف ما تريده من الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي، وتعرف ما تستطيع تقديمه في المقابل ضمن معادلة المصالح والسيادة الوطنية.
ويُحسب لفخامة الرئيس أحمد الشرع ومعالي وزير الخارجية أسعد الشيباني إدراكهما أن الدبلوماسية تُقاس بقدرتها على انتزاع المكاسب للدولة والمواطن، وأن معيارها الحقيقي يتجلّى حين تتحوّل إلى حركة استثمار، وفرص عمل، واستقرار نقدي، وانفتاح مصرفي، وقدرة أوسع للسوريين على بناء مستقبلهم داخل وطنهم.
وتكتسب المرحلة المقبلة أهميتها حين تُحسن الدولة إدارة هذا التحوّل، إذ يمكن للنظرة المستقبلية أن ترى في انتهاء مهلة الأيام الخمسة والأربعين نقطة انتقال من معالجة آثار العزلة إلى بناء شروط العودة، ومن دولة أثقلتها تركة النظام السابق إلى دولة تستعيد موقعها وقرارها ومصالحها.
ومن وجهة نظري، رفع التصنيف يشكّل انتصاراً دبلوماسياً مهماً، غير أن جوهر الانتصار الاستراتيجي يبدأ عندما تُحوّل سوريا هذا الانفتاح السياسي إلى دولة مؤسسات واقتصاد منتج ومكانة دولية يصعب عزلها مجدداً.







