المزيد

‫آخر الأخبار:‬

اللصاقة الضريبية.. مقترح جامعي وتقييم أكاديمي

‫شارك على:‬
20

‏في وقت تبحث فيه الدولة السورية عن أدوات جديدة لتعزيز الإيرادات العامة ورفع كفاءة الإدارة المالية، تبرز مكافحة التهرب الضريبي كأحد الملفات الأساسية في أي إصلاح مالي، ليس فقط لما يسببه التهرب من خسائر في الإيرادات، وإنما لما يخلقه من منافسة غير عادلة بين المنشآت الملتزمة وغير الملتزمة.

‏وفي هذا السياق، طرح أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق مقترحا يقوم على اعتماد «اللصاقة الضريبية» كوسيلة بسيطة للحد من التهرب الضريبي، بحيث توضع لصاقة ظاهرة على واجهة المنشأة الملتزمة لتكون مؤشراً أولياً على وضعها الضريبي وتساعد الجهات المختصة في توجيه الرقابة.

‏ويقدم أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد تقييماً أكاديمياً للمقترح، معتبراً أن الفكرة تحمل قيمة عملية في حال وضعت ضمن منظومة متكاملة، مع ضرورة التركيز على مجموعة من الشروط والملاحظات التي يمكن أن تحدد مدى نجاحها في التطبيق.

‏‏مواجهة التهرب

‏يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن أهمية المقترح تنطلق من البحث عن أدوات إدارية وقائية لا تعتمد فقط على تشديد العقوبات وزيادة الملاحقات، وإنما تسهم في خفض تكلفة التحصيل والرقابة وتعزيز الالتزام الطوعي.

‏وحسب تقييمه، فإن اللصاقة يمكن أن توفر للإدارة المالية مؤشراً أولياً يساعدها في معرفة المنشآت التي استوفت التزاماتها، وبالتالي توجيه عمليات التفتيش والتدقيق نحو المنشآت التي لا تحمل اللصاقة أو التي تظهر عليها مؤشرات عدم تطابق.

‏تكلفة الرقابة

‏ويعتبر محمد أن قيمة المقترح لا تتوقف عند وجود لصاقة على واجهة المنشأة، بل تكمن في إمكانية استخدامها كأداة لتغيير آلية الرقابة نفسها، من خلال الانتقال من التفتيش واسع النطاق إلى رقابة أكثر استهدافاً.

‏وفي ظل محدودية الموارد البشرية والتقنية، يمكن لمثل هذه الأداة أن تساعد الإدارة المالية على تقليل التشتت في عمليات التفتيش وتوجيه مواردها نحو الحالات الأكثر حاجة إلى التدقيق، بما يوفر الوقت والجهد ويخفض جزءاً من تكلفة التحصيل.

‏‏رقابة موجهة

‏ويشير محمد إلى أن معالجة التهرب الضريبي لا تقتصر على ملاحقة المخالف بعد وقوع التهرب، بل يمكن أن تبدأ بإجراءات وقائية تجعل الالتزام أكثر وضوحاً وتقلل فرص المخالفة.

‏ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول اللصاقة إلى مؤشر بصري سريع يساعد في عملية التحقق الأولي، على أن تكون جزءاً من منظومة رقابية أوسع وليست بديلاً عن أدوات التدقيق والتحقق القانونية.

‏اللصاقة كعنوان للالتزام

‏ويرى محمد أن من المهم ألا ينظر إلى اللصاقة باعتبارها إجراء بيروقراطياً إضافياً، بل يمكن تحويلها إلى مؤشر ثقة للمنشأة الملتزمة.

‏فإظهار الالتزام الضريبي بصورة واضحة أمام المستهلكين والمتعاملين يمكن أن يمنح المنشأة الملتزمة ميزة معنوية في السوق، ويخلق حافزاً تنافسياً يدفع منشآت أخرى إلى الانتظام، بما يعزز ثقافة الالتزام الطوعي.

‏نجاح الفكرة

‏ويشدد محمد على ضرورة أن تسبق تطبيق المقترح حملة توعوية وإعلامية واضحة تشرح للمنشآت والمواطنين طبيعة اللصاقة والهدف منها وآلية استخدامها.

‏ويحذر من أن تتحول اللصاقة في حال غياب التوعية إلى مجرد إجراء شكلي، مؤكداً أن نجاحها يرتبط بقدرة الإدارة على تقديمها كأداة للثقة والشفافية والالتزام، وليس كعبء إداري جديد على المكلفين.

‏QR ينقل المقترح إلى الرقابة الرقمية

‏ومن أبرز الملاحظات التي يطرحها محمد ضرورة ربط اللصاقة بقاعدة بيانات مركزية من خلال رمز إلكتروني مثل QR، بحيث يستطيع المواطن التحقق من الوضع الضريبي للمنشأة بصورة مباشرة.

‏وفي هذه الحالة، تتحول اللصاقة من مجرد علامة مادية إلى أداة رقمية تفاعلية توفر معلومات موثوقة وتدعم الرقابة المجتمعية، كما تساعد الإدارة المالية على اكتشاف حالات عدم التطابق بصورة أسرع.

‏ويعتبر محمد أن هذا الربط يمكن أن يرفع القيمة العملية للمقترح، لأنه يدمج الأداة البسيطة مع مسار التحول الرقمي ويخفض تكلفة الوصول إلى المعلومات والتحقق منها.

‏‏ قبل التعميم

‏ولا يرى محمد أن نجاح المقترح يتطلب تطبيقه دفعة واحدة، بل يمكن اختباره تدريجياً في قطاعات أو مناطق محددة، مع قياس النتائج ومراجعة آليات التطبيق بصورة دورية.

‏ومن شأن هذا الأسلوب أن يتيح معرفة مدى قدرة اللصاقة على تحسين الالتزام وتوجيه الرقابة وخفض تكلفة التحصيل، إضافة إلى اكتشاف الثغرات التي قد تظهر أثناء التطبيق قبل الانتقال إلى نطاق أوسع.

‏أداة مساندة لا حلاً منفرداً

‏وفي المحصلة يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن اللصاقة الضريبية تمثل فكرة بسيطة ومنخفضة التكلفة يمكن أن تضيف أداة جديدة إلى منظومة مكافحة التهرب الضريبي، لكن فعاليتها لا تتحقق بمجرد اعتمادها.

فالقيمة الحقيقية للمقترح تكمن في دمجه مع التوعية والرقمنة وقواعد البيانات وتبسيط الامتثال وتوجيه الرقابة نحو المخالفات، بما يحول اللصاقة من مجرد علامة على واجهة المنشأة إلى جزء من منظومة أكثر كفاءة وشفافية وعدالة في التحصيل الضريبي.