داخل أروقة مجلس الأمن الدولي في نيويورك، تقاطعت مواقف أممية ودولية عدة خلال جلسة خصصت لملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، لتشير مجملها إلى دعم المسار الذي اختارته دمشق لمعالجة ما تبقى من هذا الملف، عبر التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والالتزام بآلياتها الدولية.
وجاء الإعلان السوري عن بدء تدمير مواد وذخائر كيميائية عُثر عليها داخل البلاد ليمنح هذا التوجه بعداً عملياً، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى إمكانية طي أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل التي خلفتها المرحلة السابقة.
واللافت في المواقف التي صدرت خلال الجلسة أنها التقت عند أهمية التعاون القائم بين الحكومة السورية الجديدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وبرز ذلك في تصريح وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، إيزومي ناكاميتسو، التي وصفت ما تحقق بأنه تقدم ملموس.
كلام ناكاميتسو ولا سيما عندما قالت إن التعاون بين الطرفين أتاح العمل على بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية الذي طوره النظام السابق مع معالجة القضايا التي لا تزال عالقة، وجد صداه في مواقف أغلبية الدول.
فروسيا رحبت باستعادة سوريا حقوقها وامتيازاتها بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، بينما أشادت الصين بالتزام دمشق بالاتفاقية وتعاونها مع المنظمة، وقالت: إن إغلاق الملف يمثل هدفاً مشتركاً، كما رحبت تركيا والدنمارك والبحرين بالتقدم المحرز والتنسيق القائم بين دمشق والأمانة الفنية للمنظمة.
وسط هذه المواقف، جاء الإعلان السوري الأكثر أهمية على لسان مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي الذي أكد أن الحكومة السورية بدأت عملية تدمير بعض المواد الكيميائية التي عُثر عليها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة هي الأولى من نوعها على الأراضي السورية منذ أكثر من عقد.
مصادر سياسية متابعة رأت أن إعلان علبي يحمل دلالة سياسية إلى جانب أهميته الفنية، إذ تقدم دمشق نفسها أمام المجتمع الدولي طرفاً يعمل على إنهاء هذا الملف لا باعتباره إرثاً سياسياً فقط، بل أيضاً التزاماً يجب التعامل معه بإجراءات قابلة للتحقق.
وفي سياق ذي صلة، لم تفصل الدول الغربية بين التخلص من الأسلحة الكيميائية وبين مسألة المسؤولية عن استخدامها، إذ شددت بريطانيا في هذا السياق على ضرورة محاسبة المسؤولين في عهد نظام الأسد، فيما وضعت فرنسا مكافحة الإفلات من العقاب ضمن أولويات المرحلة الجديدة في العلاقات مع سوريا، كما جددت الدنمارك دعوتها إلى إحالة مرتكبي الهجمات الكيميائية إلى العدالة.
وحسب المصادر السياسية، تكشف هذه المواقف أن معالجة المخزون الكيميائي تمضي في مسارين متلازمين أولهما فني يتعلق بالحصر والتحقق والتدمير، والثاني سياسي وقضائي يتصل بمصير المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة في السابق.
وبينما أكدت الولايات المتحدة تطلعها إلى التحقق من التدمير الكامل لما تبقى من الأسلحة الكيميائية والعمل نحو عالم خالٍ منها، بدا أن المسار الذي خطته دمشق يحظى بدعم دولي واضح لاستكمال المهمة، مع بقاء ملف المساءلة حاضراً كجزء أساسي من المرحلة المقبلة.
وبناء على ذلك، يبدو أن جلسة مجلس الأمن لم تكن مجرد متابعة تقنية لملف قديم، بل محطة تعكس استعداداً دولياً للتعامل مع الحكومة السورية الجديدة من خلال أفعالها والتزاماتها، والمضي في العمل على إغلاق هذا الملف وفق المعايير الدولية.
أسرة التحرير









