بعد أن كشفت أرقام النصف الأول من عام 2026 عن ارتفاع الإيرادات بالتوازي مع قفزة أكبر في الإنفاق واتساع العجز إلى نحو 1.005 مليار دولار، تصبح قراءة تركيبة هذه الأرقام أكثر أهمية من النظر إلى إجماليها فالزيادة في الإيرادات لا تحمل دلالة واحدة، كما أن ارتفاع الإنفاق لا يعني تلقائياً هدراً أو سوءاً في توجيه المال العام، ما لم تُقرأ مكونات كل بند ونسب تنفيذه وطبيعته وأثره الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن تفكيك أرقام “الأداء المالي – نسخة المواطن” للنصف الأول من 2026 يكشف تفاوتاً واضحاً في مساهمة مصادر الإيرادات وفي سرعة تنفيذ بنود الإنفاق، الأمر الذي يطرح أسئلة حول طبيعة الموارد التي رفعت حصيلة الخزينة، والأولويات التي اتجه إليها الإنفاق العام.
الجمارك والنفط يتصدران
بلغ إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 2.695 مليار دولار، وتوزعت بصورة رئيسة بين الإيرادات الجمركية، وعوائد استثمارات الدولة، وإيرادات النفط والغاز، والضرائب والرسوم غير الجمركية.
وبحسب عبد الكريم، بلغت الإيرادات الجمركية نحو 1.079 مليار دولار، لتشكل قرابة 40.04% من إجمالي الإيرادات، مقابل تقديرات سنوية بلغت نحو 1.944 مليار دولار، ما يعني أن نسبة التنفيذ وصلت إلى نحو 55.5%، مع بقاء نحو 865 مليون دولار لتحقيق كامل التقدير السنوي.
ويرى عبد الكريم أن ارتفاع الإيرادات الجمركية يمكن أن يرتبط بزيادة حجم المستوردات، أو تحسن الضبط على الحدود، أو تغير التعرفة الجمركية، أو ارتفاع قيم التقييم الجمركي، لكن تحديد السبب الفعلي يحتاج إلى بيانات تفصيلية عن قيم وكميات الواردات والتعرفة الفعلية المطبقة.
ويلفت في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع الإيرادات الجمركية لا يمثل بالضرورة مؤشراً إيجابياً خالصاً على النشاط الاقتصادي، إذ قد يعكس أيضاً ارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وما يمكن أن يرافق ذلك من ضغوط على القطع الأجنبي.
أما الإيرادات النفطية وإيرادات الغاز، فبلغت نحو 601 مليون دولار خلال النصف الأول، مقابل تقدير سنوي قدره 2.434 مليار دولار، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 24.69%، لتشكل نحو 22.30% من إجمالي الإيرادات، مع بقاء نحو 1.833 مليار دولار من التقدير السنوي.
إيرادات تحتاج إلى قراءة مختلفة
يشير عبد الكريم إلى أن إيرادات النفط والغاز الواردة في التقرير ينبغي فهمها باعتبارها مبالغ حُولت إلى الخزينة، وليس باعتبارها قيمة كامل الإنتاج أو قيمة الصادرات أو صافي أرباح القطاع النفطي.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة مع بدء تحويل إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية في شهر أيار، ما يعني أن رقم النصف الأول قد يتضمن تسويات أو تحويلات متأخرة، وبالتالي لا يمكن استخدامه بصورة آلية لتقدير كامل إيرادات العام.
ويحتاج تقييم هذا المورد، بحسب عبد الكريم، إلى بيانات شهرية توضح حجم الإنتاج والكميات المباعة والأسعار والتكاليف وحصة الدولة والتسويات المالية، حتى يمكن معرفة ما إذا كانت الزيادة في الإيرادات تمثل تحسناً مستداماً في المورد النفطي أم أنها مرتبطة ببدء انتظام التحويلات إلى الخزينة.
عوائد استثمارات الدولة
بلغت عوائد استثمارات الدولة نحو 763 مليون دولار خلال النصف الأول من العام، مقابل تقدير سنوي قدره 1.882 مليار دولار، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 40.54%، لتشكل نحو 28.31% من إجمالي الإيرادات.
ويشير عبد الكريم إلى أن تسمية هذا البند بـعوائد استثمارات الدولة لا تعني بالضرورة أنه يتكون بالكامل من أرباح استثمارات حكومية بالمعنى الضيق، إذ تضم هذه الفئة، وفق التصنيف الوارد في القراءة، إيرادات من رسوم وخدمات وعقارات الدولة والعبور والاتصالات وغيرها من الموارد.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى فصل الإيرادات المتكررة عن الإيرادات الاستثنائية، ومعرفة صافي العوائد بعد احتساب التحويلات والدعم والالتزامات المرتبطة بالجهات العامة، حتى يمكن تقييم استدامة هذا المصدر.
كما يلفت عبد الكريم إلى أن إيرادات ترخيص مشغل الاتصالات الخليوي الثاني لم تدخل ضمن إيرادات النصف الأول، مع توقع تحصيلها خلال النصف الثاني ويؤكد أن توقيع الترخيص أو العقد لا يعني بالضرورة تحقق الإيراد نقداً، ما لم يتم تحديد موعد الدفع وآلية التحصيل وقيمة المبلغ المسجل في الخزينة.
مساهمة محدودة رغم حجم التقديرات
بلغت الإيرادات من الضرائب والرسوم غير الجمركية نحو 252 مليون دولار خلال النصف الأول، مقابل تقدير سنوي قدره 2.456 مليار دولار، لتصل نسبة التنفيذ إلى نحو 10.26% فقط، بينما شكلت هذه الإيرادات نحو 9.35% من إجمالي الإيرادات المحققة خلال الفترة.
وبذلك يبقى نحو 2.204 مليار دولار تقريباً للوصول إلى التقدير السنوي، مع ملاحظة وجود فرق بنحو مليون دولار بين إعادة الاحتساب والرقم المنشور بسبب التقريب.
ويشير عبد الكريم إلى أن الوصول إلى كامل التقدير السنوي لهذا البند خلال النصف الثاني يتطلب تحصيلاً يفوق ما تحقق في النصف الأول بنحو 8.75 مرات، وهو ما يجعل أداء هذا المصدر خلال الأشهر المتبقية من العام عاملاً مهماً في اختبار واقعية التقديرات.
وبجمع الضرائب والرسوم غير الجمركية مع الإيرادات الجمركية، تصل الحصيلة إلى نحو 1.331 مليار دولار، أي ما يقارب 49.39% من إجمالي الإيرادات، وتشكل الجمارك نحو 81.07% من هذه المجموعة.
أين ذهب الإنفاق؟
على جانب الإنفاق، بلغ إجمالي المصروفات خلال النصف الأول نحو 3.700 مليارات دولار، وتوزعت بصورة رئيسية بين الرواتب والأجور والتعويضات والمكافآت والمنافع، والنفقات الإدارية، والإنفاق الاستثماري، وبند الدعم والأمن والالتزامات الأخرى.
ويؤكد عبد الكريم أن الأرقام المتبقية من الاعتمادات السنوية لا تعني بالضرورة وجود أموال نقدية جاهزة للإنفاق، فقد تكون هناك التزامات أو عقود أو نفقات لم يتم دفعها بعد، ولذلك لا يكفي النظر إلى نسبة التنفيذ المالي للحكم على نسبة إنجاز المشاريع أو الخدمات.
الرواتب والأجور تتصدر
بلغ الإنفاق على الرواتب والأجور والتعويضات والمكافآت والمنافع نحو 1.339 مليار دولار خلال النصف الأول، مقابل اعتماد سنوي قدره 3.578 مليارات دولار، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 37.42%، لتشكل هذه النفقات نحو 36.19% من إجمالي الإنفاق خلال الفترة.
ويبلغ المتبقي وفق إعادة الاحتساب نحو 2.239 مليار دولار، مقابل 2.240 مليار دولار في التقرير، وهو فرق ناتج عن التقريب.
ويشير عبد الكريم إلى أن زيادات الرواتب والأجور التي بدأت في أيار لها أثر اجتماعي وتشغيلي مهم، إلا أن تقييم أثرها الفعلي على مستوى معيشة العاملين يتوقف على معدل التضخم وتغير القوة الشرائية، كما ينبغي فصل أثر زيادة متوسط الأجر عن أثر زيادة عدد العاملين أو شمول فئات جديدة أو تسوية متأخرات سابقة.
أعلى البنود تنفيذاً
بلغت النفقات الإدارية نحو 1.025 مليار دولار، مقابل اعتماد سنوي قدره 1.582 مليار دولار، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 64.79%، وهي النسبة الأعلى بين البنود الرئيسية للإنفاق، بينما شكلت نحو 27.70% من إجمالي الإنفاق خلال النصف الأول.
ويرى عبد الكريم أن ارتفاع معدل تنفيذ هذا البند يستحق المراجعة والتحليل، لكنه يحذر من اعتبار “النفقات الإدارية” مرادفاً للهدر بصورة تلقائية، إذ قد تشمل تشغيل المرافق والوقود والمستلزمات والخدمات والنفقات التي ترتبط باستمرار العمل الحكومي أو حتى بتحصيل الإيرادات.
ولذلك، فإن الحكم على كفاءة هذا الإنفاق يحتاج إلى الاطلاع على العقود والمشتريات والكميات والأسعار والمدفوعات غير المتكررة، وليس الاكتفاء بحجم المبلغ المنفق.
وبحسب اختبار وتيرة الإنفاق، فإن تكرار إنفاق النصف الأول نفسه خلال النصف الثاني قد يرفع الإنفاق الإداري السنوي إلى نحو 2.05 مليار دولار، أي بما يزيد بنحو 468 مليون دولار على الاعتماد السنوي. ويؤكد عبد الكريم أن هذا اختبار لوتيرة الإنفاق وليس توقعاً نهائياً لما سيحدث في نهاية العام.
35% من الاعتماد السنوي
بلغ الإنفاق الاستثماري خلال النصف الأول نحو 1.021 مليار دولار، مقابل اعتماد سنوي قدره 2.888 مليار دولار، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 35.35%، وشكل الإنفاق الاستثماري نحو 27.59% من إجمالي الإنفاق خلال الفترة.
ويشدد عبد الكريم على ضرورة التمييز بين نسبة تنفيذ الاعتماد الاستثماري وبين نسبة إنجاز المشاريع فعلياً، إذ لا يمكن اعتبار ارتفاع الإنفاق الاستثماري دليلاً بحد ذاته على نجاح الإنفاق التنموي، ما لم تتوافر قوائم المشاريع ومراحل تنفيذها ومؤشرات الإنجاز والعوائد المتوقعة والتكاليف النهائية.
كما أن تمويل استثمارات طويلة الأجل من مصادر قصيرة الأجل يخلق فجوة في آجال الاستحقاق، ما يجعل ترتيب الأولويات الاستثمارية وفق الأثر الاقتصادي والجدوى والجاهزية وقدرة المشروع على توليد العائد أمراً مهماً في إدارة الموارد.
الدعم والالتزامات..
بلغ الإنفاق على الدعم والأمن والالتزامات نحو 315 مليون دولار خلال النصف الأول، مقابل اعتماد سنوي قدره 2.468 مليار دولار، وبنسبة تنفيذ بلغت نحو 12.76% فقط، ليشكل نحو 8.51% من إجمالي الإنفاق خلال الفترة.
ويعني ذلك بقاء نحو 2.153 مليار دولار من الاعتماد السنوي، أي أن تنفيذ كامل المخصص لهذا البند خلال العام يتطلب إنفاقاً في النصف الثاني يعادل نحو 6.83 مرات ما تم إنفاقه خلال النصف الأول.
ويلفت عبد الكريم إلى أن الفارق الكبير بين نسبة تنفيذ النفقات الإدارية البالغة 64.79% ونسبة تنفيذ بند الدعم والأمن والالتزامات البالغة 12.76%، والذي يقارب 52 نقطة مئوية، يستحق التفسير، مع إمكانية ارتباط جزء من الفروقات بالتوقيت، ولا سيما أن زيادة المعاشات بدأت في حزيران.
لكن عبد الكريم يحذر من قراءة مبلغ 315 مليون دولار باعتباره إجمالي الإنفاق الاجتماعي أو المبلغ المخصص حصراً للفئات الأشد فقراً، إذ إن تعريف هذا البند واسع، ويشمل، وفق التصنيف المستخدم، بعض العجوزات في الجهات العامة والالتزامات المختلفة ومخصصات زيادات الأجور وأقساط وفوائد القروض وغيرها.
وبالتالي، لا يمكن الاستنتاج من هذا الرقم وحده أن قطاعات مثل الصحة والتعليم أو الفئات الأكثر احتياجاً حصلت على 315 مليون دولار فقط، كما لا يمكن قياس الأثر الاجتماعي الحقيقي من دون بيانات تفصيلية عن المستفيدين والتحويلات والخدمات.
الأرقام تكشف الاتجاه
تكشف بنية الإيرادات والإنفاق أن الجزء الأكبر من الموارد المحققة خلال النصف الأول جاء من الجمارك وعوائد استثمارات الدولة والنفط والغاز، بينما استحوذت الرواتب والنفقات الإدارية والاستثمار على القسم الأكبر من الإنفاق.
لكن عبد الكريم يرى أن الأرقام المالية وحدها لا تكفي للحكم على جودة الموازنة، إذ يجب معرفة ما إذا كانت الإيرادات الجديدة مستدامة أم استثنائية، وما إذا كان الإنفاق الاستثماري قد تحول إلى مشاريع وخدمات وأصول منتجة، وما إذا كانت زيادة الرواتب قد حافظت على قوتها الشرائية في ظل التضخم، وما إذا كان الإنفاق الإداري ضرورياً لتشغيل الدولة وتحسين تحصيل الإيرادات أم يتضمن نفقات يمكن ضبطها.
وهنا تصبح قراءة الموازنة مسألة تتجاوز سؤال “كم جُمِع وكم أُنفق؟” إلى سؤال أكثر أهمية: ما طبيعة الأموال التي دخلت الخزينة، وما الأثر الذي تركه المال العام بعد إنفاقه؟
وهذه النقطة تقود إلى السؤال الأكثر حساسية في قراءة النصف الأول من عام 2026: إذا كان الإنفاق قد تجاوز الإيرادات بنحو 1.005 مليار دولار، فمن أين جرى تمويل هذا العجز، وما تكلفة هذا التمويل ومخاطره على المالية العامة؟ وهو ما يفتح الباب أمام قراءة مستقلة لطريقة تمويل العجز والدين قصير الأجل ومصادره.









