عُرف بمواقفه المناهضة للنظام البائد، لذلك كان هدفاً لعناصر جيشه، فاستهدفوا سيارته في “حي العسالي” بدمشق بقذيفة “آر بي جي”، فأردوه شهيداً يوم الرابع والعشرين من شباط لعام 2013، وكان قبل ذلك قد اُعتقل خلال عام 2012 من قبل أحد الأفرع الأمنية وبقي مسجوناً لثلاثة أشهر، وذلك بسبب شتمه لرأس النظام المخلوع ووالده، حسب إفادة الممثل أحمد رافع في أحد حواراته.
إنه الممثل السوري – الليبي ياسين بقوش، الذي ينتمي إلى جيل مؤسسي الكوميديا السورية، الذي انطلق في بداية ستينيات القرن الماضي مع أقطاب الكوميديا السورية بدور “ياسين” صاحب شخصية الإنسان البسيط والساذج.
هو واحد من أولئك العمالقة الذين أرسوا الكوميديا السورية سينمائياً ومسرحياً وتلفزيونياً، وأحد الأركان المهمة في الدراما السورية، حيث تخصص بشخصية مستقلة تماماً استطاعت أن تدخل قلوب الجماهير العربية والجماهير السورية.
“ياسينو”
بنى نهاد قلعي شخصية “ياسينو” على السذاجة والبساطة، وكثيراً ما كان يقنعه “غوار الطوشة” بالعمل معه في تدبير مقالبه، معتقداً أنه لا يفعل سوءاً بذلك.
يقول بقوش عن هذا الدور: “في البداية اعتذرتُ عن أداء دور “ياسينو” لانشغالي بـ”مسرح الشوك”، لكن الفنان نهاد قلعي تحدث معي وقال لي إن هذا العمل مثل “مسرح الشوك”، فقلت له: كيف ذلك؟ فقال: “حسني البورظان” يمثل الفكر العربي، “غوار” يمثل الفكر المتآمر على الفكر العربي، “أبو عنتر” يمثل عضلات الفكر المتآمر، “ياسينو” يمثل الشعب العربي الطيب الذي يصدق كل شيء، و”فطوم” هي الأرض العربية التي سيتم التزاحم عليها في المستقبل، وصار مثالاً للعامل البسيط في “أوتيل صح النوم”، الذي يسلي “أبو عنتر” نفسه به، ويجعله “غوار الطوشة” وسيلة لتحقيق مآربه، فقد عبّر عن حالة الشعب العربي التي أرادها نهاد قلعي تعبيراً يشير إلى طيبته وبساطته.
مجد وشهرة
بعد أن شبّ ياسين بقوش نمت ميوله الفنية، وراح يحتاج إلى فضاء يعبر فيه عن ذاته ومكنوناته، فاندفع باحثاً عن فرصة يثبت فيها موهبة يقدمها ويحكي فيها هموماً يومية.
اكتشفه القصاص الشعبي حكمت محسن وأشركه معه في سلسلة إذاعية كانت بعنوان “متعب أفندي” حيث كانت المحطة الإذاعية الأولى له وبعد هذه الفترة انتقل إلى “المسرح القومي”.
ورغم أن مجده صنع برفقة مؤسسي الكوميديا، إلا أن البداية كانت على يدي عبد اللطيف فتحي الذي أسس فرقة “المسرح الحر”، فعمل معه منذ عام 1956، ثم انتقل إلى “مسرح العرائس”، وكان واحداً من ممثلي “المسرح القومي”، وعمل في مسرحية سعد الله ونوس “سهرة مع أبي خليل القباني” للمخرج أسعد فضة، إضافة إلى عمله أواخر الستينيات مع عمر حجو في “مسرح الشوك”.
وفي عام 1974، أسس شراكة فنية مع يوسف حرب وشكلا فرقة أطلقا عليها “التجمع النقابي”، الفرقة الدرامية التي قدمت مسرحيات كثيرة تجاوز عددها الثلاثين.
بداياته المسرحية مهدت له الانتقال إلى الدراما التلفزيونية بعدما انتشر التلفزيون وصار له جمهور واسع ينتظر المسلسلات والتمثيليات التي يبثها، وقد كانت مشاركة ياسين الأولى في مسلسل “رابعة العدوية” عام 1961 ثم مسلسل “مساكين” عام 1969، كما قدّم مع المخرج الراحل شكيب غنام مسلسل “زقاق المايلة” عام 1972.
لكن كل ذلك كان نقطة في بحر الشهرة التي حصدها الكاراكتر الذي صنعه نهاد قلعي، فرسخ “ياسينو” في ذاكرة الجمهور ولم تتمكن سنوات غيابه الطويلة من محو أثره.
من “صح النوم” إلى “مقالب غوار” و”ملح وسكر” و”وادي المسك” و”عريس الهنا” و”تلفزيون المرح”، ظل بقوش أسير شخصية تولف الطيبة والفرح الذي يولد من رحم السذاجة، ورغم بساطته في أدواره الفنية إلا أنه كان فناناً مثقفاً يقرأ كثيراً.
قدّم عشرات الأعمال التلفزيونية والسينمائية الكوميدية، ومنها ما اعتمد عليه كممثل رئيسي مثل “ياسين تورز” و”ياسين في المطبخ”.
وفي عام 2003 استطاع الخروج من قالب الشخصية التي أمسكت به عشرات السنين عندما جسد دور “حاخام يهودي” في المسلسل التاريخي “سيف بن ذي يزن”، وشخصية تاريخية في “بهلول أعقل المجانين” الجزء الثاني عام 2008، وكان آخر مسلسل له “صايعين ضايعين” عام 2011.
في السينما
سار ياسين بقوش في العمل السينمائي إلى جانب أعماله الدرامية مع دريد ونهاد، فاشترك في أفلام عديدة يجسد الشخصية ذاتها بطيبتها وبساطتها، مُركزاً تنميطه في إطارها في تلك الأفلام، مثل “غزلان” و”مقلب حب” و”شقة ومليون مفتاح” و”رحلة حب” و”عروس من دمشق” و”عنترة فارس الصحراء” وغراميات خاصة”، و”المزيفون” و”صح النوم” إضافة إلى “أمطار صيفية” عام 1984
غاب عن السينما ثم عاد مجدّداً عام 2000 في “حارة الطنابر” ثم “الرجل الضاحك” عام 2002، إلى أن جاء المخرج محمد عبد العزيز وانتشله سينمائياً من إطار “ياسينو” في فيلم “نصف ميليغرام نيكوتين” عام 2009، عندما قدّمه بدور عارض سينما، ومرة أخرى جعله مختاراً في فيلم “دمشق مع حبي” عام 2011.
بين سوريا وليبيا
في أحد حواراته، يقول بقوش متحدّثاً عن اندماجه في المجتمع السوري وحبّه له: “لم أشعر يوماً أني من ليبيا، فهذا البلد الأمين لم يعلمني سوى الخير والمحبة، هذا البلد عشت فيه كل حياتي، تربيت وكبرت وعملت وتزوجت وأنجبت في كنفه، ولن أغادره إلا إلى الموت، ولن أغدره ولو مت أنا وأطفالي من الجوع”.
ويحكي بقوش عن مصادفة غريبة في حياته جعلته يعرف أصوله الليبية، بعدما كان يظن نفسه دمشقياً لكونه ولد وعاش في حاراتها وتكلّم لهجة أهلها فيقول: “راسلتني عمة لي (شقيقة والدي) من زوجة جدي الليبية، بعدما شاهدتني على شاشة التلفاز، حتى تمكّنت من المجيء إلى دمشق عام 1976، وتعرفت إلينا (هو وإخوته)، والتأم شمل العائلة، وعرفتُ أننا من منطقة “زوارة”، وبعد ذلك عرفتُ أن اسم “بقوش” جاء من “البقاش”، وهي كلمة بربرية تعني “الكذاب”.











