استضاف المركز الثقافي في أبو رمانة بدمشق، معرضاً للفن التشكيلي حمل عنوان «الحرف العربي في فضاء اللون»، بمشاركة نحو أربعين فناناً وفنانة من الشباب، إلى جانب حضور عدد من ضيوف الشرف من الفنانين والخطاطين أصحاب التجارب العريقة في مجال الفن التشكيلي والخط العربي.
وجاء المعرض تتويجاً لورشة فنية امتدت لنحو أربعين يوماً، ركزت على العلاقة بين الحرف العربي واللون، وكيفية توظيف الحرف بوصفه عنصراً تشكيلياً داخل اللوحة، بعيداً عن وظيفته التقليدية المرتبطة بالقراءة والكتابة.
وأوضح الفنان أحمد كمال الذي أشرف على المعرض في تصريح خاص ل”الوطن”، أن الورشة انطلقت من تقديم مجموعة من الأساسيات للمشاركين حول التشكيل بالحرف وآليات توظيفه في اللوحة التشكيلية، مشيراً إلى أن الهدف تمثّل في نقل الحرف من كونه نصاً مقروءاً إلى حالة من التجريد، حيث يصبح الحرف عنصراً بصرياً يتماهى مع اللون ويتفاعل مع مختلف مكونات اللوحة.
وبيّن كمال أن التجربة لم تكن تهدف إلى تقديم نص مكتوب ضمن لوحة حروفية كلاسيكية فحسب، وإنما إلى التعامل مع الحروف بصورة أكثر حرية، عبر اختيار حروف متفرقة وإعادة توظيفها ضمن التكوين التشكيلي، لافتاً إلى أن نحو أربعين مشاركاً استفادوا من الورشة، مع استضافة مجموعة من الفنانين والخطاطين المخضرمين لتقديم خبراتهم ونصائحهم للمشاركين ودعم تجاربهم الفنية.
من جانبه، أوضح الفنان بشير بشير، المشرف على المعرض أيضاً، أن الورشة أقيمت بصورة مجانية، انطلاقاً من الرغبة في إتاحة الفرصة أمام الشباب والفتيات الذين يمتلكون الموهبة والشغف، لكن إمكاناتهم المادية قد لا تسمح لهم بشراء المواد الفنية أو الحصول على التدريب اللازم لتطوير تجاربهم.
وأشار بشير إلى أن الورشة ضمت نحو 40 طالباً وطالبة من مختلف الاختصاصات الجامعية، ممن لديهم اهتمام بالفن وموهبة في المجال التشكيلي، وتناولت مجموعة من التقنيات الأساسية، بينها تقنيات اللون، وأسس بناء اللوحة، والتعامل مع سطحها، وتدرّجات الألوان، والتباين بين الألوان الحارّة والباردة، وآليات توزيع اللون على سطح العمل الفني.
وأضاف: إن المشاركين، بعد إنجاز المساحات التجريدية أو طرح فكرة أو موضوع أو حالة واقعية، انتقلوا إلى إضافة الخط العربي إلى اللوحة، لتصبح التجربة قائمة على تداخل تقنيات الحرف واللون في عمل فني واحد.
ولفت بشير إلى أن الفكرة قامت كذلك على مبدأ إقامة حوار فني بين جيلين، من خلال الجمع بين خبرات الخط العربي التقليدي والتجارب التشكيلية المعاصرة، مؤكداً، أن المعرض شهد مشاركة عدد من أبرز الخطاطين، بينهم مصطفى النجار، عبد السلام النجار، عدنان الشيخ عثمان، فادي الجعفري، أمجد دبوسي وزاهر حمود، بوصفهم من أصحاب التجارب العريقة في هذا المجال.
وركّز بشير على أن خصوصية التجربة تتجلى في حضور الخط العربي بكلاسيكيته وواقعيته داخل اللوحة التقليدية، وفي الوقت نفسه انتقاله إلى فضاء اللوحة التشكيلية الحروفية، ما يفتح أمام الحرف إمكانات جديدة للتعبير البصري.
وضمن الأعمال المشاركة، قدّمت الفنانة غيداء محمد خير جديد، خريجة المعهد التقاني للفنون التطبيقية – قسم الخزف، لوحة بعنوان «بوابة الأمواج»، منفّذة بالألوان الزيتية على الكانفس.
وأكدت أن اللوحة تقدّم رؤية رمزية للعلاقة بين الإنسان والبحر، وبين الهدوء الخارجي واضطراب المشاعر الداخلية، حيث تتوسط العمل عين كبيرة تبدو كأنها بوابة مفتوحة، لا تكتفي بالنظر إلى العالم المحيط، وإنما تدعو المتلقي إلى التأمل في أعماقه الذاتية.
وأضافت: “تحيط بالعين أمواج وسحب ترمز إلى التقلّبات التي ترافق مسيرة الإنسان، بينما يحضر اللون الأزرق بدرجاته المختلفة بوصفه تعبيراً عن السكينة والعمق والأمل”، مشيرة إلى أن الهدوء الحقيقي لا يعني غياب العواصف، بل القدرة على مواجهتها وتجاوزها.
كما شاركت الفنانة تغريد ربابة بعملين فنيين، تناولت فيهما العلاقة بين الحرف واللون، مقدمة رؤية تتجاوز الاستخدام التقليدي للحرف العربي، ففي لوحتها الأولى، ركّزت ربابة على العلاقة بين الحرف واللون، حيث لا يظهر الحرف بوصفه كلمة فحسب، وإنما يتحول إلى إحساس وحركة داخل الفضاء البصري، فيما تتداخل الطبقات اللونية للتعبير عن حالات داخلية ومشاعر تتجاوز حدود المعنى المباشر.
أما في لوحتها الثانية، فسعت إلى جعل الحرف جزءاً من الذاكرة والمشهد، من خلال الجمع بين الخط العربي وإحساس الأرض والأفق، ليغدو الحرف أكثر من مجرد كتابة، ويتحول إلى أثر يحمل دلالات التأمل والهوية والبعد الروحي للإنسان.













