في بلد يعيش نحو 90 بالمئة من سكانه تحت خط الفقر، لم يعد التفاوت الاقتصادي مجرد فارق بين دخل مرتفع وآخر منخفض، بل بات سؤالاً عن كيفية توزع الفرص والدخل والثروة في مجتمع أنهكته سنوات الحرب وتراجع فيه مستوى المعيشة والأجور الحقيقية.
وفي الوقت الذي تكافح فيه أغلبية الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تشير بيانات توزيع الدخل المتوقعة إلى تركّز حصة كبيرة منه لدى شريحة محدودة، إذ استحوذ أغنى واحد بالمئة من السوريين على 20.7 بالمئة من الدخل الوطني في 2022.
ومع بدء عودة الاستثمارات وبدء تشكل فرص اقتصادية جديدة، تبرز المفارقة بصورة أكثر وضوحاً: هل يفتح التعافي الاقتصادي الباب أمام توسيع قاعدة المستفيدين من النمو، أم إن ضعف القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين أصحاب رأس المال وأصحاب الدخل المحدود قد يجعلان النمو فرصة متاحة لمن يملك أصلاً القدرة على الاستثمار؟ فالمسألة لم تعد كم يملك الأغنياء وكم يخسر الفقراء فقط، وإنما من يملك القدرة على الاستفادة من الاقتصاد الجديد الذي يتشكل في سوريا، ومن سيبقى خارج هذه الدائرة؟
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي رأى في حديثه لـ”الوطن” أن الاقتصاد السوري يشهد لحظة تاريخية تتقاطع فيها بوادر التعافي السياسي وعودة الاستثمارات مع واقع اجتماعي شديد الهشاشة يتمثل في اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية لمعظم السكان.
وفي ظل هذا التناقض بين تدفّق الثروة الجديدة واتساع الفجوة الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء توزيع الدخل والثروة.
اقتصاد ينتج ثروة لا تصل إلى المجتمع
وأشار قوشجي إلى أن اختلال توزيع الدخل القومي يكشف اقتصاداً ينتج ثروة لا تصل إلى المجتمع، موضحاً أن التقديرات تشير إلى أن نسبة كبيرة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يحصل أغنى واحد بالمئة على أكثر من خُمس الدخل الوطني.
هذا التفاوت الحاد، حسب قوشجي، لا يعكس ضعفاً في قدرة الاقتصاد على توليد الثروة، بل يكشف خللاً بنيوياً في آليات توزيعها، وفي طبيعة البنية المؤسسية التي تنظّم العلاقة بين عناصر الإنتاج.
سوريا ليست فقيرة بالموارد
وبيّن قوشجي أن الاقتصاد السوري ليس اقتصاداً فقيراً بالموارد، فعلى الرغم من سنوات الحرب، فإن سوريا مازالت تمتلك قوة عمل واسعة ومتعلمة، وموارد زراعية وصناعية قابلة للانتعاش، وموقعاً جغرافياً يتيح فرصاً لوجستية وتجارية، إضافة إلى إمكانيات كبيرة في قطاعات الطاقة والفوسفات وغيرها الكثير من الثروات الطبيعية.
وأضاف: إن عودة العلاقات السياسية وتوقيع عقود استثمارية جديدة يشيران إلى أن الثروة بدأت تتولد بالفعل، وأن الاقتصاد قادر على إنتاج قيمة مضافة كبيرة إذا توفرت البيئة المؤسسية المناسبة.
ورأى قوشجي أن المشكلة تكمن في بنية الوصول إلى الثروة، إذ تُظهر بنية الاقتصاد السوري أن الوصول إلى الفرص الاقتصادية محكوم بعوامل غير إنتاجية، أهمها ملكية الأصول العقارية، والنفوذ الإداري والسياسي، والقدرة على الوصول إلى العقود الحكومية، وتركيز رأس المال في قطاعات محدودة.
وبذلك، فإن المشكلة الأساسية، وفق قوشجي، ليست في حجم الثروة، بل في احتكار قنوات توليدها وتوزيعها، ما يجعل النمو الاقتصادي غير قادر على تحسين مستوى معيشة الأغلبية.
لمن ستذهب الثروة الجديدة؟
ومع بدء مشروعات استثمارية جديدة وارتفاع قيمة الأصول، يبرز سؤال جوهري، حسب قوشجي، حول كيفية ضمان ألا تذهب الثروة الجديدة إلى الفئات التي تملك رأس المال أصلاً.
وفي هذا السياق، أوضح أن سياسات إعادة توزيع الدخل تأتي بعد أن تكون الثروة قد تركزت فعلاً، بينما تعمل إعادة توزيع فرص النمو على منع التركز من الأصل، وإتاحة المجال للمجتمع للمشاركة في عملية توليد الثروة قبل توزيعها.
وعرّف قوشجي إعادة توزيع فرص النمو بأنها مجموعة من السياسات التي تهدف إلى جعل الوصول إلى الفرص الاقتصادية متاحاً للجميع، وذلك عبر تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال التمويل الميسر، وإصلاح سوق العمل وربط الأجور بالإنتاجية، وتحرير المنافسة وكسر الاحتكار، وتنظيم ملكية الأراضي ومنع المضاربات، وحوكمة العقود الحكومية لضمان الشفافية، وتطوير التعليم والتدريب لرفع إنتاجية العمل، مؤكداً أن هذه السياسات لا تعيد توزيع الدخل فقط، بل تعيد توزيع القدرة على توليد الدخل.
عدالة توزيع الثروة الجديدة
ورأى قوشجي أن ضمان عدالة توزيع الثروة الجديدة يتطلب سياسات ضريبية تصاعدية على الأرباح الكبيرة والأصول غير المنتجة، وتنظيم سوق العقارات لمنع المضاربات التي ترفع الأسعار من دون إنتاج، ورفع الأجور الحقيقية بما يتناسب مع الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الملكية الإنتاجية عبر دعم المشروعات الصغيرة، وتعزيز المنافسة لمنع تركّز رأس المال، إلى جانب حوكمة العقود الحكومية لضمان عدم تحولها إلى مصدر ثراء لفئة محدودة.
وبهذه الآليات، بحسب قوشجي، يصبح النمو الاقتصادي فرصة لتقليص الفجوة الاجتماعية لا لتوسيعها.
اقتصاد يعيد توزيع الفرص
ويخلص قوشجي إلى أن الاقتصاد السوري يقف أمام لحظة تاريخية تتولد فيها ثروة جديدة عبر الاستثمار وإعادة الإعمار، لكن 90% من المجتمع لا يزال خارج دائرة الفرص.
ويؤكد أن بناء اقتصاد سليم لا يبدأ من إعادة توزيع الدخل، بل من إعادة توزيع فرص النمو، لأنها الأساس الذي يضمن لاحقاً عدالة توزيع الثروة ويمنع إعادة إنتاج الفقر.
ويشير إلى أن مستقبل الاقتصاد السوري يتوقف على قدرة السياسات العامة على تحويل النمو من عملية تُغني من يملك رأس المال إلى عملية تُشرك المجتمع بأكمله في توليد الثروة، وتعيد بناء طبقة وسطى قادرة على قيادة التنمية.









