المزيد

‫آخر الأخبار:‬

مكتبة “الوطن”: معتمداً على أدوات نقدية غير جاهزة.. د. فايز الداية يضيء على أصداء البحر والأيام في شعر الخليج العربي

‫شارك على:‬
20

الوطن ـ نجوى صليبه

تعدّ هذه الدراسة استمراراً أو جزءاً من سلسلة دراسات نقدية أنجزها الدكتور فايز الداية حول الشعر في أرجاء الوطن العربي ونُشر معظمها في مجلات عربية متخصصة كـ”الكويت” و”البيان” و”العربي”.

منذ البداية، يوضّح الدّكتور الدّاية أنّ الاستقصاء للشعراء لم يكن ممكناً، وأنه لم يقصد إلى مفاضلات وإعطاء مواقع ومراتب لمن يطلقون الأعمال الشعرية، ويضيف: “كنت أتناول ما أرى فيه خصائص تحمل إلى المتلقي، زوايا رؤية وألواناً من الأساليب، ولاسيما ما كان منها ينتمي إلى أيامنا المعاصرة، فتكون متعة ونوافذ على رؤى تتغلغل في ألوان من عيشنا في المجتمع، والسياسة بمعنى الاهتمام بالوطن، وفيما ينتاب النفس من أهوائها، ومن جهة أخرى رأيت قدرة الخطاب الموضوعي على تنوير تميّز إبداعي، وذلك لدى عدد ممن لا يحظون بالقرب الإعلاني من العواصم الكبرى، وهناك أمر مهم فالتفوق الإبداعي قد يكون في مواقف أو حالات مما يقدمه الشاعر، فيكون بعضاً من الرصيد الكبير لثقافتنا الذي تشكله جولات النقد”.

يضيء الدّكتور الداية في دراسته الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب ـ كتاب المعرفة الشهري العدد 84 ـ على حضور البحر في أعمال شعراء الخليج العربي وانعكاساته الاجتماعية والفكرية والتجليات المجازية والرمزية لمفاتيح البحر الدلالية، مبيناً: “كانت أجيال الشعراء في هذه البيئة الأدبية منذ خمسينيات القرن العشرين التفتت إلى هذا الجانب على نحو مطول وتفصيلي، أو على شكل لمحات تظهر في التجارب الشعرية المختلفة، وبهذا شكّل النتاج الإبداعي حلقة بحثية ومعاصرة لما سبق أن عرضته أعمال إبداعية في ثقافتنا العربية منذ الألف الثالث قبل الميلاد”، إلى قوله: “إنّ ما تناولته من قصائد هو إشارات تدعو إلى قراءة أعمال الشعراء الآخرين وفضاءاتها الواسعة وكنت تناولتها في دراسات لي وكتب”.

وتتيح الدراسة للقارئ الاطلاع والتفاعل مع أشعار ـ حسب المؤلف ـ تغلغلت في جوانب المجتمع، وقيم وتقاليد في أحوال للعيش المعاصر، وهي تتحاور مع الجديد مما تطور في المدن، وما كان من التحولات الاقتصادية والعلمية والسياسية، مضيفاً: “ونجد مساحات خضراء في طبيعة متنوعة تكسر الصورة النمطية التي ترسم عن بعد لحياة الخليج العربي والجزيرة بأفيائها الغنية، وكان في تجارب الشعراء والشاعرات غوص آخر في النفوس وتقلبات هذا الزمان وتياراته، ولابد من الإشارة إلى ثقافتنا العربية ستغنى بكثير مما قدمه شعراء هذه البيئة الأدبية، وفيهم من لم ينصفه النقد ولا الدراسات”.

لا يعتمد الدكتور الداية على أدوات نقدية مستوردة وجاهزة، بل على أدوات هي “قوام منهج نقدي محلي، اتخذ التراث الإنساني عبر مراحله مرجعية بما فيها ما كان من جهود النقد العربي القديم، ورجّع النظر ورسم مساراً متوازناً، يحمل سمات اقترح مجدداً، وبهذا نحاول ونجتهد كما يحاولون ويجتهدون في المحافل والساحات العلمية والنقدية”، أما الشعراء الذين كانت قصائدهم موضوع البحث فهم: من المملكة العربية السعودية غازي عبد الرحمن القصيبي وعلي الدميني ومحمد الثبيتي وأشجان الهندي وإبراهيم زولي، ومن قطر مبارك بن سيف آل ثاني والدكتورة زكية علي مال الله عبد العزيز وحصة يوسف عبد الرحمن العوضي، ومن الإمارات العربية المتحدة ظاعن شاهين وصالحة غابش وعارف الخاجة ومحمد البريكي، ومن البحرين علي عبد الله خليفة، ومن سلطنة عمان صالح علي العامري، ومن الكويت أحمد مشاري العدواني والدكتورة سعاد الصباح وسالم عباس خدادة.

يختار الدكتور الداية قصيدة استوقفته أو عنوان ديوان شدّه ليكون موضوع البحث والتحليل والنقد، وسنتوقف عند أحد فصول هذه الدراسة على سبيل المثال لا الحصر، فنقرأ تحت عنوان “الدرامية في ديوان “الليل سيترك باب المقهى” للشاعر محمد البريكي: “الدرامية في هذا الاشتغال النقدي قيمة أسلوبية تعبيرية، وهي تؤدي فعالية في انتقالها من الخطاب الدرامي إلى الغنائي، فتمنح أبعاداً مميزة للتعبير عن التجربة… تتكون الدرامية في نصوص الديوان من بؤرة في موقف يتصاعد فيه الصّراع بين طرفين لشخصيات تتناوب وتتبادل الأدوار بين الواقعي والرمزي، وهذا يقرّبنا من جولات المواجهة في مسارات الحياة التي تضج بها تجارب الشاعر، ورغم ما يكون من تنوّع الأحداث والشخصيات في عالم الشاعر تبرز البؤرة الدرامية كما في نواة العاصفة تشتعل وتنتشر في الأفق”.

وفي درامية البحر يقول: “رسم الشاعر محمد البريكي البحر شخصية درامية لها ملامحها وشهدنا في هذا الديوان عدداً من البؤر الدرامية واجهت فيها شخصية المبدع هذا الخصم العنيد والخطر والمراوغ عبر أمواجه، وهي تترصد من يقترب أو يقتحم هذا الأزرق الممتد حتى الأفق، وتظهر في هذا الصراع دلالات في دائرة الفن والشعر والإبداع مع هذا الشاعر، يضم كلماته، يخشى عليها حتى تجد مدى تنتشر مع أجنحتها، وفي نظرة تميل أمام البؤر نلحظ أنها تعبّر عن علاقات إنسانية مختلفة، وتشترك في الموقف الدرامي في دفاع عن الحق والوجود في المواجهات التي تبزغ مع الأيام وخطوات على الأرض وعلى رمال الشواطئ يصطدم بها الموج العاتي.. في بؤرة درامية يبدو البحر مختالاً يسرق الحق ليكون غطاء لسوأة أمواجه، فعلى الرغم مما نظن من قوة فيه ينكشف ضعفه عندما تنكسر أمواجه وتذهب ذرات في فضاء الشاطئ وهكذا يتهيأ صاحب الحق لجولة ينتصر فيها:

هذه الأرض التي تمشي إلى غيري بخيري/ لا أرى فيها لحزني ظل غاف/ يحجب الدمع المسجّى فوق جرحي/ لا أرى البحر إلا فضة المعنى الذي يمشي ورائي/ ليخفي سوأة الموج الذي ينهار عند الشاطئ المجنون/ لا/ لن آخذ الأشواك في معراج حرفي/ فانزلي يا غيمة الأنفاس كي أسمو/.

ويشير الدكتور فايز الداية إلى أنه أورد النصوص الشعرية مع عدد من الدراسات النقدية ليجمع خطوتين تنتظران الثالثة، موضحاً.: “أقصد أن قراءة النقد لا تكتمل إلا بالنظر في النص الذي تناولته الدراسة، فإذا تمّ ذلك صرنا أقرب إلى أن يعود القارئ إلى أشعار أخرى للشاعر أو الشاعرة، وطبّقت ذلك مع الأشعار من المملكة العربية السعودية ودولة قطر، ولعل التجربة تعمّ في أعمال مقبلة”.