المزيد

‫آخر الأخبار:‬

زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك.. أجندة تتجاوز رفع العقوبات

‫شارك على:‬
20

من المتوقع أن يتوجه الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك الأسبوع الجاري للمشاركة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في زيارة ستكون الثالثة له إلى الولايات المتحدة منذ توليه الرئاسة، والثانية على التوالي لحضور اجتماعات الجمعية العامة، زيارة تختلف بصورة كبيرة عن زيارته الأولى في أيلول 2025، حين كانت سوريا لا تزال تحاول الخروج من عقود من العزلة، بينما كانت العقوبات والتصنيفات الأميركية والدولية تقيد علاقاتها بالعالم.

أما زيارة الرئيس الشرع هذه المرة إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد إزالة إلغاء «قانون قيصر»، وإنهاء برنامج العقوبات الأميركية الشاملة على سوريا، وشطب واشنطن سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً من إدراجها، فتنتقل في طبيعتها وأهدافها من مرحلة كسر العزلة إلى تثبيت الانفتاح واستثماره، ومن رفع القيود عن سوريا إلى توظيف ذلك في استقرار البلاد وتعافيها واستعادة دورها الإقليمي.

التعافي الاقتصادي في مقدمة الأولويات

الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان يرى في حديث لـ”الوطن” أن دعم استقرار سوريا وانتقالها إلى مرحلة التعافي سيكون في مقدمة الملفات المهمة أمام الرئيس الشرع، انطلاقاً من أن استقرار سوريا وتعافيها ينعكسان على استقرار المنطقة وتعافيها.

ويشير علوان إلى أن عدداً من الخطوات التي تم اتخاذها مؤخراً أسهمت بشكل كبير في دعم مسار التعافي، لكن الانتقال إلى مرحلة جديدة، بدأ مع رفع العقوبات وإزالة التصنيف، ما يستدعي البحث في المتطلبات اللازمة لتمكين سوريا من أداء دورها الفاعل إقليمياً.

وفي هذا السياق، يبرز التعافي الاقتصادي باعتباره مدخلاً أساسياً للمرحلة المقبلة، وحسب علوان، يمكن لسوريا الاستفادة من فرص الاستثمار التي تتمتع بها، بما يسهم في تسريع وتيرة تعافيها وتعزيز دورها في تعافي المنطقة. وهذا يعني أن رفع القيود لم يعد هدفاً بحد ذاته، بل أصبح مساحة ينبغي تحويلها إلى استثمارات ومشاريع ونشاط اقتصادي يعيد ربط سوريا بمحيطها.

ويرتبط هذا المسار، وفق قراءة علوان، بالدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه دمشق في تعافي المنطقة؛ فدعم سوريا لا يتعلق بالداخل السوري فقط، وإنما يرتبط بالحاجة الإقليمية والدولية إلى دولة مستقرة وقادرة على أداء دور اقتصادي وسياسي في محيطها.

إسرائيل.. الملف الأمني الموازي

إلى جانب الاقتصاد، ستكون الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا من الملفات الأكثر حساسية في زيارة الرئيس الشرع، حيث يشير علوان، إلى أن البحث لن يقتصر على وقف الاعتداءات، بل سيمتد إلى سبل مساعدة الولايات المتحدة في إنهاء حالة زعزعة الاستقرار المرتبطة بالتدخلات الإسرائيلية المستمرة.

ويرى الباحث أن سوريا تمتلك اليوم فرصة لوقف هذه الاعتداءات، في ظل وجود حاجة إقليمية ودولية إلى استقرارها وتعافي المنطقة انطلاقاً من تعافيها، ومن المتوقع، وفق تقديره، أن يتركز جانب من النقاش على هذا الملف، وعلى دعم واشنطن بصورة أكبر للمفاوضات بين دمشق وتل أبيب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن الاستقرار الأمني يشكل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شرطاً للتعافي الاقتصادي وجذب الاستثمار، فكلما بقيت سوريا عرضة للتوترات والتدخلات العسكرية، بقيت المخاطر السياسية والأمنية حاضرة أمام أي مسار لإعادة الإعمار والاستثمار، بينما يمكن لخفض التصعيد وتثبيت الترتيبات الأمنية أن يوفر بيئة أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة.

سوريا لاعب إقليمي

ولا يفصل علوان بين التعافي الاقتصادي وبين إعادة بناء الدور الإقليمي لسوريا، فالمطلوب، وفق رؤيته، ليس فقط مساعدة دمشق على تجاوز أزمتها الاقتصادية، وإنما تمكينها من أداء دورها الفاعل إقليمياً.

وهنا يمكن أن يتحول موقع سوريا الجغرافي وإمكاناتها الاستثمارية إلى عناصر قوة في المرحلة المقبلة، وخصوصاً في قطاعات التجارة والنقل والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار، وكلما تقدمت عملية التعافي، ازدادت قدرة دمشق على المشاركة في مشاريع وترتيبات إقليمية تتجاوز حدودها.

ولهذا، فإن أحد المعاني الأساسية للزيارة يتمثل في بحث كيفية انتقال سوريا من موقع الدولة التي تحتاج إلى الخروج من العزلة إلى موقع الدولة القادرة على المساهمة في استقرار وتعافي محيطها.

مكافحة الإرهاب.. ملف للتعاون الدولي

وتبقى مكافحة الإرهاب ملفاً حاضراً في المرحلة الجديدة، ولكن من زاوية مختلفة عن المرحلة السابقة، فبعد إنهاء عدد من القيود والتصنيفات المرتبطة بسوريا، يمكن أن ينتقل النقاش تدريجياً من العقوبات إلى التعاون.

وفي هذا الإطار، يشير علوان إلى إمكانية مناقشة دعم سوريا لجهود مكافحة الإرهاب ضمن عضويتها في التحالف الدولي، وهو ما يفتح مجالاً أمام دمشق للاضطلاع بدور أمني أكبر في مواجهة التنظيمات الإرهابية.

ويضع ذلك الملف ضمن شبكة أوسع من القضايا الإقليمية، إذ إن استقرار سوريا يرتبط بأمن حدودها ومحيطها، وبقدرتها على التعاون مع الأطراف الدولية والإقليمية في مواجهة التهديدات الأمنية.

وبحسب علوان، يمكن اختزال أبرز الملفات المتوقعة في مسارين رئيسيين، الأول يتعلق بالدور الإقليمي لسوريا، ولا سيما على المستوى الاقتصادي، والثاني يتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية ودعم واشنطن لمسار المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، مع إمكانية مناقشة دعم سوريا لجهود مكافحة الإرهاب ضمن التحالف الدولي.

وعليه، فإن زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك لا تأتي فقط لتأكيد أن سوريا خرجت من مرحلة العزلة، وإنما لتحديد ما يمكن أن تفعله بعد الخروج منها، فرفع العقوبات وإزالة التصنيفات وفرا مساحة جديدة للحركة، لكن تحويل هذه المساحة إلى تعافٍ اقتصادي واستقرار أمني ودور إقليمي فاعل سيكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، تبدو نيويورك محطة للانتقال من مرحلة رفع القيود عن سوريا إلى مرحلة تمكين سوريا، اقتصاديا عبر الاستثمار والتعافي، وأمنياً عبر تثبيت الاستقرار ووقف الاعتداءات، وإقليمياً عبر استعادة دور دمشق، ودولياً عبر الانخراط في جهود مكافحة الإرهاب والتعاون مع الشركاء.

أسرة التحرير