لم يأت بيان وزارة الخارجية والمغتربين بشأن الغارات الأردنية التي استهدفت مواقع في محافظة درعا لتسجيل موقف رافض لما جرى فقط، بل عكس محاولة واضحة للفصل بين مسألتين لا ترى دمشق تعارضاً بينهما هما التمسك بحق الدولة في صون سيادتها، والحفاظ على العلاقة مع الأردن بعيداً عن التصعيد الذي قد يفتح الباب أمام توترات أوسع، فمن جهة، جاء الاستنكار صريحاً وحازماً، ومن جهة أخرى، بقيت لغة البيان ضمن حدود الحرص على استمرار التفاهم بين البلدين، بما يجعل الموقف السوري أقرب إلى رسم حدود التعامل منه إلى الذهاب نحو القطيعة.
ويرى محلّلون، أن السيادة لا تنتقص منها متانة العلاقات، كما أن الخلاف لا يستوجب التضحية بها، هذه الثنائية تشكّل المدخل الأوضح لقراءة الموقف السوري، فدمشق، وهي تؤكد عمق الروابط التاريخية مع عمّان، لا تعتبر هذه الروابط مبرّراً لتجاوز الأطر التي تنظّم التعامل بين دولتين مستقلتين، وبالنسبة إليها، فإن استهداف مواقع داخل الأراضي السورية من دون تنسيق مسبق يطرح مسألة تتعدى طبيعة العملية العسكرية وغاياتها المعلنة، لتصل إلى حق الدولة السورية في أن تكون طرفاً أساسياً في كل إجراء يمس أمن أراضيها وسلامة مواطنيها.
وهنا، لم يتعامل البيان مع الحادثة باعتبارها حكماً نهائياً على العلاقة الأردنية السورية، ولم يسمح للخلاف الميداني بأن يطغى على المصالح المشتركة، فالتذكير بالعلاقات الراسخة لم يأتِ لإضعاف الاعتراض على الغارات، بل لوضعه في سياقه السياسي الصحيح، إذ إن الاعتراض على إجراء بعينه لا يعني، وفق المحلّلين، التخلي عن مسار التعاون، والتمسك بالسيادة لا يقتضي تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، وبذلك، جمعت دمشق بين وضوح الموقف من الواقعة وإبقاء قنوات المعالجة الثنائية قائمة.
وتبدو هذه المقاربة واضحة أيضاً في إشارة بيان الخارجية إلى أطراف مشبوهة تسعى إلى تعكير صفو العلاقات بين البلدين وزرع الفتنة بينهما، فبدلاً من توسيع دائرة الاتهام لتشمل العلاقة الثنائية برمتها، يضع خطاب دمشق احتمال وجود جهات تعمل على استثمار التوتر وإدامته، والرسالة تحمل في الوقت نفسه تحذيراً من تداعيات التصعيد ودعوة إلى عدم السماح للحادثة بأن تتحوّل إلى عامل يبدّد ما تحقق من تفاهم.
إلا أن الترجمة العملية لهذا التوازن، تتمثّل في العمل على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة بصورة عاجلة، فبدلاً من الاكتفاء بتسجيل الاعتراض، يطرح البيان مساراً لمعالجة أسباب الاحتكاك وضبط الحدود ومنع تكرار التجاوزات، وهنا تتقدّم آلية التنسيق باعتبارها الاطار الذي يمكن من خلاله معالجة الخلافات الميدانية وترسيخ قواعد واضحة تحكم التعامل الأمني بين البلدين، بما يضمن احترام السيادة ويتيح التعاون الأمني في آن واحد.
في النتيجة، يبدو أن دمشق تسعى إلى تثبيت معادلة محددة، مفادها أن لا تعاونَ أمنيٌّ مستدامٌ من دون احترام السيادة، ولا مصلحة في إهدار العلاقات بسبب خلاف قابل للمعالجة، وبين هذين الحدين، يضع البيان التنسيق المشترك في صلب معالجة الخلافات، حيث لا تكفي متانة العلاقات وحدها لتجاوز الخلاف، ولا ينبغي للخلاف أن يصبح ذريعة لتقويض تلك العلاقات.
أسرة التحرير









