قبل أيام كتبت عن افتتاح مطار دير الزور، وقلت إن أول الغيث قطرة. لكن ما سمعته بعد ذلك جعلني أتوقف عند هذا الإنجاز من زاوية أخرى؛ فخلال حوار دار بيني وبين أحد مسؤولي التشغيل في مطار دير الزور المدني، والذي يقوم بحكم عمله بزيارات تفتيشية ورقابية دورية للمطارات، ذكر لي تفاصيل عن أيام العمل والتجهيز في المطار، وجدت فيها ما يستحق التوقف عنده أكثر من مشهد الافتتاح نفسه.
يقول إنه وصل في أحد الأيام إلى المطار في السادسة صباحاً، فوجد الموظفين والعمال على رأس عملهم، مع أن الدوام الرسمي يبدأ في الثامنة. وكان بعض العاملين يبيتون في المطار أحياناً، لأنهم كانوا يشعرون أن إنجاز العمل مسؤوليتهم، وأن المهمة أكبر من مجرد ساعات دوام تنتهي بانتهائها.
وهنا توقفت عند هذه الصورة، فهناك فرق كبير بين إنسان يؤدي عمله لأنه مطالب بذلك، وإنسان يشعر أن ما بين يديه أمانة، وأن نجاح المكان الذي يعمل فيه مسؤولية تقع عليه.
ولم يكن حديثه عن سرعة الإنجاز فقط، بل لفت نظره أيضاً ما وجده من نظافة وترتيب واهتمام بالتفاصيل. والأجمل أن الموظفين الذين عملوا في تجهيز المطار لم يعتبروا الافتتاح نهاية مهمتهم، بل ظلوا بعد افتتاحه في مواقعهم، يستقبلون المسافرين عند سلم الطائرة، ويؤدون عملهم بالروح نفسها.
وهذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، فهي تقول شيئاً مهماً؛ إن المؤسسات لا تنهض بالمباني والمعدات وحدها، وإنما تنهض بالناس الذين يعملون فيها. يمكن أن نعيد بناء مطار، لكن الأهم أن نبني معه ثقافة عمل يشعر فيها الموظف أن وظيفته مسؤولية، وأن المسؤول يرى موقعه أمانة، وأن العامل يعرف أن ما يقدمه يمثل المكان الذي يعمل فيه.
ولذلك كانت شهادته لافتة؛ فهو لا يتحدث عن زيارة عادية، وإنما عن شخص يذهب إلى المطارات بحكم عمله للتفتيش والرقابة، ويرى تفاصيل كثيرة قد لا ينتبه إليها الزائر العادي، ومع ذلك كان حديثه عن مطار دير الزور حديثاً فيه إشادة واضحة بما رأى.
لقد عانت دير الزور كثيراً، ولذلك فإن افتتاح مطارها ليس مجرد افتتاح مرفق جديد، وإنما خطوة في طريق طويل لاستعادة الحياة.
وقد يكون أجمل ما في هذه الخطوة أن وراءها أناساً لم ينتظروا ساعات الدوام حتى يبدؤوا، ولم ينظروا إلى المهمة باعتبارها وظيفة فقط، وإنما تعاملوا معها باعتبارها مسؤولية يريدون أن تكتمل على أفضل صورة.
كتبنا قبل أيام: أول الغيث قطرة، واليوم يبدو أن القطرة تحمل معها رسالة أكبر؛ أن المدن يمكن أن تنهض من جديد، وأن المؤسسات يمكن أن تستعيد عافيتها، وأن الإنسان حين يشعر بالمسؤولية يستطيع أن ينجز في وقت أقصر مما نتوقع.
فحين تصبح الوظيفة مسؤولية، يصبح الإنجاز أقرب.





