أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن سوريا تمضي قدماً في مسار العدالة الانتقالية، وتعمل على ترسيخ الأمن والاستقرار، واستعادة دورها على المستويين الإقليمي والدولي، مشدداً على أن دمشق لن تكون ممراً للسلاح غير الشرعي أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منطلقاً لتهديد أمن دول المنطقة وشعوبها.
وقال علبي خلال جلسة لمجلس الأمن حول سوريا: إن مجلس الأمن كان لسنوات طويلة يجتمع لنقاش الوضع في سوريا التي كانت تحت الأنقاض، أما اليوم، فها هي سوريا ترسل فريقاً من الدفاع المدني إلى فنزويلا للمشاركة في أعمال البحث والإنقاذ للعالقين تحت الأنقاض.
وأضاف: “كانت سوريا ساحة للنزاعات، وها هي تعود اليوم لتكون جسراً يربط بين مختلف قارات العالم”، مشيراً إلى أن ذلك تجسد في واشنطن قبل أيام بتوقيع مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف من الشركات الدولية لإعادة تأهيل خط النفط كركوك-بانياس، في خطوة تكرس دور سوريا بوصفها مقراً إقليمياً للطاقة وجسراً للتعاون والازدهار.
وأشار علبي إلى أن مجلس الشعب الجديد عقد هذا الشهر أولى جلساته، واجتمع تحت قبته سوريون وسوريات من مختلف المحافظات والمكونات والخبرات وفئات المجتمع، بمن فيهم منشقون عن النظام البائد وناجون من سجونه، وشخصيات عشائرية ووجهاء محليون، ومقيمون في البلاد وعائدون من المهجر واللجوء ومغتربون وذوو ضحايا وأشخاص من ذوي الإعاقة، ونساء عاملات ومعيلات، إلى جانب حملة الشهادات العلمية والمهنيين.
ولفت مندوب سوريا إلى تشكيل المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء بينهم سيدتان، لتكتمل بذلك الأعمدة الأساسية للبناء المؤسساتي في المرحلة الانتقالية، مؤكداً أن سوريا تمضي قدماً في مسار العدالة الانتقالية.
ورحب علبي في قاعة مجلس الأمن بسيدات من عائلات الضحايا والمفقودين، ورئيس الهيئة الوطنية للمفقودين، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، معتبراً حضورهم في نيويورك تجسيداً لالتزام سوريا بالحقيقة والمساءلة وإنصاف الضحايا من خلال تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي.
وقال: “لا يفوتني أن أترحم على أرواح الضحايا السوريين الذين سقطوا في الأحداث المؤلمة التي شهدتها السويداء الحبيبة في هذا التوقيت من العام الماضي”، مؤكداً لأهالي جميع الضحايا من الدروز والبدو أن مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي جرت قد انطلق.
وأضاف: “السويداء في قلب سوريا، وصون كرامة أهلها بمكوناتهم كافة واجب وطني لا تهاون فيه، بما في ذلك ضمان عودة المهجرين إلى بيوتهم وحماية حق أبنائهم في التعليم”.
وفي سياق حديثه عن علاقات سوريا مع دول الجوار، قال علبي: إن سوريا الجديدة اختارت طريقاً واضحاً مع الجوار بعيداً عن الحروب والأزمات، مشيراً إلى زيارة وزير الخارجية والمغتربين إلى لبنان مؤخراً ولقاءاته مع الرئاسات الثلاث ومختلف القيادات السياسية اللبنانية، في رسالة واضحة عنوانها “سوريا إلى جانب لبنان ودولته وشعبه”.
وأشار إلى أن وحدات وزارة الداخلية أحبطت محاولة تهريب شحنة ضخمة من الأسلحة النوعية قرب الحدود السورية- العراقية، موضحاً أن التحقيقات الأولية أظهرت أنها كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية إلى لبنان.
وجدد مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة التأكيد أن سوريا لن تكون ممراً للسلاح غير الشرعي أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منطلقاً لتهديد أمن دول المنطقة وشعوبها.
وأضاف: إن “السلاح غير الشرعي يحتاج إلى المال غير الشرعي”، لافتاً إلى أن هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أطلقت اليوم من دمشق، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مشاورات لصياغة استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل التسلح، بمشاركة الجهات الوطنية المعنية في سوريا وبما ينسجم مع المعايير الدولية.
وأكد علبي أن سوريا عادت إلى الإقليم والعالم، وها هو العالم يعود إليها، مشيراً إلى استقبال دمشق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أول زيارة لرئيس دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى سوريا الجديدة، معتبراً أن مواصلة الرئيس ماكرون زيارته رغم محاولة التشويش عليها يعكس ثقة فرنسا بسوريا الجديدة.
وأوضح أن الزيارة التي استمرت يومين تجاوزت الطابع البروتوكولي، وشكلت جسراً بين الذاكرة والمستقبل، لافتاً إلى أن الرئيس ماكرون رافقه وفد من كبرى الشركات، وشملت الزيارة مباحثات واتفاقات في مختلف مجالات الاقتصاد والاستثمار، إلى جانب عودة قطع من الآثار السورية إلى موطنها لتستقر من جديد في عهدة المتاحف السورية.
كما أشار إلى لقاء الرئيس أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في أنقرة، وتسلّم الشرع رسالة تؤكد إبلاغ الكونغرس الأميركي بقرار بدء إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، معتبراً ذلك قراراً تاريخياً يزيل واحداً من آخر الحواجز التي خلّفها النظام البائد بين سوريا والعالم منذ عقود.
وقال علبي: إن عودة العالم إلى سوريا لم تعد تقتصر على الوفود السياسية والاقتصادية، بل شملت الناس أيضاً، مشيراً إلى إعلان وزارة السياحة استقبال البلاد خلال النصف الأول من العام الجاري 3.5 ملايين زائر، مع ارتفاع عدد السيّاح الأجانب بنسبة 484 بالمئة، معتبراً أن هذه الأرقام ليست أرقاماً سياحية فحسب، بل مؤشرات ثقة ببلد يستعيد مكانته على خريطة العالم.
وفي معرض حديثه عن التطورات الإقليمية، قال علبي: “لقد باتت الصورة اليوم أوضح من أي وقت مضى؛ سوريا ترسل فرق الإنقاذ وإسرائيل ترسل قوات الاحتلال، سوريا تضبط السلاح المهرّب وإسرائيل تعبر الحدود بالسلاح، سوريا تطفئ النيران وإسرائيل تشعلها، وكما سمعتم سوريا تعمل وترحّب بالأمم المتحدة وإسرائيل تعرقل قوافلها الإنسانية”.
وأضاف: إن سوريا تعمل على حماية شعبها وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، بينما يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حساباته الانتخابية الضيقة فوق أمن المنطقة، معتبراً أن المزيد من الحروب لن يجلب الأمن للشعب الإسرائيلي.
وأكد علبي أن سوريا اختارت الدبلوماسية وضبط النفس والمضي في طريق المبادرة الأميركية، مشدّداً على أن الحوار لا يعني القبول بالاحتلال، والدبلوماسية لا تعني التنازل عن الحقوق.
وفي ختام كلمته، قال علبي: إن سوريا سرّت قبل أشهر باستضافة الأمين العام للأمم المتحدة في دمشق، في زيارة شكّلت محطة مفصلية في علاقة سوريا بمجلس الأمن، معرباً عن تطلّع دمشق إلى استضافته مجدداً، في زيارة أبعد ما تكون عن محطة بروتوكولية، بل شاهد حي على تحوّل تاريخي صنعه السوريون والسوريات بإرادتهم وتضحياتهم.
وأضاف: “حضرت سوريا في هذا المجلس طويلاً بوصفها أزمة مستعصية، أما اليوم فتعود إليه بوصفها قصة نجاح”، مرحباً بالأمين العام في دمشق وفي سوريا التي استعادت صوتها ومكانها ومستقبلها.
الوطن – أسرة التحرير






