في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها القطاعان الصناعي والتجاري، تتزايد التحديات التي تواجه الشركات على اختلاف أحجامها وطبيعة نشاطها، ما يفتح الباب أمام سؤال بات أكثر إلحاحاً وجرأة: هل تكمن أسباب التعثر الحقيقي في نقص التمويل وتقلبات الأسواق وتعقيد التشريعات، أم إن جذور المشكلة أعمق بكثير وترتبط بأسلوب الإدارة، وآليات اتخاذ القرار، وغياب الحوكمة والأطر المؤسسية الواضحة داخل المنشآت؟
هذا السؤال لم يعد طرحاً نظرياً أو ترفاً فكرياً، بل أصبح يعكس واقعاً عملياً يعيشه العديد من الشركات التي، رغم توفر الفرص في السوق وإمكانيات النمو، ما تزال تعاني من تراجع في الأداء، وتكرار في الأزمات التشغيلية والمالية، وضعف في القدرة على التكيف والاستجابة السريعة للتغيرات.
أزمة أعمق من حدود السوق والتمويل
الدكتور رازي مُحي الدين أوضح لـ”الوطن” بأن جزءاً كبيراً من التحديات التي تواجه الشركات الصناعية والتجارية اليوم لا يرتبط فقط بعوامل التمويل أو حركة السوق أو حتى الأطر القانونية المنظمة، بل يعود بشكل أساسي إلى خلل في بنية الإدارة الداخلية، وطريقة اتخاذ القرار، وغياب الأطر المؤسسية الواضحة التي تنظم العمل وتحدد الصلاحيات والمسؤوليات بدقة.
ولفت إلى أن العديد من الشركات لا يعاني من نقص الفرص بقدر ما تعاني من ضعف في إدارة تلك الفرص، ومن غياب نظام مؤسسي يحول الجهد الفردي إلى عمل منظم قابل للقياس والتطوير والاستدامة.
الحوكمة ليست خياراً
وأضاف مُحي الدين أن التعامل مع هذا الواقع يتطلب إعادة نظر جذرية في مفهوم الحوكمة المؤسسية وإعادة الهيكلة المالية والإدارية داخل الشركات، مشدداً على أنها لا ينبغي أن تُعامل كمشروع معقد أو كإجراء إداري ثانوي، بل كأداة استراتيجية مباشرة وسريعة الأثر للانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الحديثة القائمة على الكفاءة والشفافية والمساءلة.
وبيّن أن تطبيق مبادئ الحوكمة داخل الشركات ينعكس بصورة مباشرة وعملية على الأداء من خلال مجموعة من النتائج الجوهرية، أبرزها:
– رفع كفاءة عملية اتخاذ القرار وتسريعها ضمن إطار مؤسسي واضح ومحدد الصلاحيات.
– تعزيز أنظمة الرقابة الداخلية بما يضمن الشفافية ويحد من الهدر والازدواجية.
-تقليل المخاطر التشغيلية والمالية عبر بناء أنظمة متابعة وتقييم دقيقة.
_ إعادة تنظيم الهيكل الإداري وتوضيح المسؤوليات والصلاحيات لكل مستوى إداري.
– تعزيز استدامة الأعمال وضمان استمراريتها في مواجهة التغيرات والتحديات.
– رفع مستوى ثقة البنوك والمستثمرين والشركاء في الأداء المؤسسي للشركة.
– تحسين القيمة السوقية للمنشأة وزيادة قدرتها على النمو والتوسع المستقبلي.
المنافسة القادمة ليست في المنتج … بل في الإدارة!
وأشار رازي مُحي الدين إلى أن المرحلة المقبلة، خاصة في سياق إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، ستشهد تحولاً نوعياً في طبيعة المنافسة بين الشركات، حيث لن يكون معيار التفوق مرتبطاً بجودة المنتج أو الخدمة فقط، بل بقدرة المؤسسة على بناء نظام إداري متكامل، وتنظيم داخلي فعال، ومرونة عالية في التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والسوقية.
وأوضح أن الشركات التي ستنجح في المستقبل هي تلك التي تدرك مبكراً أن الإدارة الحديثة لم تعد مجرد وظيفة تشغيلية، بل أصبحت عامل إنتاج رئيسي لا يقل أهمية عن رأس المال نفسه.
وختم مُحي الدين بالتأكيد على أن التحول نحو الحوكمة المؤسسية لم يعد خياراً يمكن تأجيله أو التعامل معه كرفاهية إدارية، بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحّة وأساسية لكل شركة تطمح إلى البقاء في السوق، وتحقيق النمو المستدام، وتعزيز قدرتها على المنافسة في بيئة اقتصادية تتغير بسرعة وتزداد فيها متطلبات الكفاءة والشفافية والانضباط المؤسسي.






