في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، أعلنت غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية في برلين (Ghorfa) اختيار سوريا “دولة شريكة” للدورة المقبلة من منتدى الأعمال العربي الألماني، في مؤشر يُنظر إليه كبداية مسار جديد من الانفتاح التدريجي على الشراكات الدولية بعد سنوات من التحديات والعزلة النسبية.
وتأتي هذه المشاركة ضمن سياق متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، تعكس تحولاً في مقاربة العلاقات الاقتصادية، واهتماماً متزايداً بإعادة إدماج سوريا في مسارات التعاون الاقتصادي، بما يفتح الباب أمام فرص أوسع للاستثمار وتوسيع التعاون مع الأسواق العربية والأوروبية والدولية.
مؤشرات انفتاح ورسائل اقتصادية متبادلة

يرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي في تصريح لـ” الوطن “أن هذا الاختيار، الصادر عن مؤسسة اقتصادية عريقة تمتد خبرتها لأكثر من خمسة عقود، يتجاوز الإطار التجاري التقليدي، ليحمل إشارات ذات بعد دبلوماسي واقتصادي حول تغير تدريجي في النظرة الدولية تجاه بيئة الأعمال في سوريا، مع التركيز المتزايد على مفاهيم “الإصلاح” و“التعافي الاقتصادي”.
كما يشير إلى أن هذه الخطوة تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء قنوات التعاون، حيث يُتوقع أن تسهم التحضيرات للدورة المقبلة في تعزيز فرص الشراكات، وجذب الاستثمارات، وتوسيع التعاون مع الأسواق الدولية، وفق آليات تنسيق رسمية بين الأطراف المعنية.
انفتاح مشروط وتحديات قائمة
ورغم التحولات الإيجابية في المشهد العام، يؤكد كويفي أن مسار الانفتاح الاقتصادي لا يزال محاطاً بجملة من القيود القانونية والتنظيمية، أبرزها استمرار العقوبات المستهدفة حتى عام 2027، وما يرتبط بها من قيود على الأفراد والكيانات، إضافة إلى تحديات تتعلق بآليات الامتثال والحوكمة.
كما يلفت إلى أن الشركات الأوروبية، ولا سيما الألمانية، لا تزال تنتظر توفير ضمانات حكومية للاستثمار (Investment Guarantees)، وهو عامل أساسي في قرارات الدخول إلى السوق السورية، إلى جانب القيود المرتبطة بمبدأ الاستخدام المزدوج للبضائع والتكنولوجيا، والحذر المصرفي الذي يحد من انسيابية التحويلات المالية نتيجة المخاطر القانونية المحتملة.
متطلبات المرحلة: امتثال وإصلاح مؤسسي
وفي هذا السياق، يشدد كويفي على أن أي توسع فعلي في التعاون الاقتصادي يتطلب تبني استراتيجيات امتثال صارمة، تشمل إجراءات تدقيق الشركاء (Due Diligence)، وإدراج بنود العقوبات في العقود، والحصول على التراخيص اللازمة من المكتب الاتحادي الألماني للاقتصاد ومراقبة الصادرات (BAFA)، إلى جانب تعزيز البيئة القانونية والمؤسساتية داخل سوريا بما يواكب متطلبات الاستثمار الدولي.
قطاعات واعدة وفرص مشروطة
ويحدد كويفي عدداً من القطاعات التي يمكن أن تشكل ركيزة للتعاون المستقبلي، أبرزها الطاقة المتجددة والبنية التحتية، والاتصالات والتحول الرقمي، إضافة إلى الزراعة الحديثة والتعليم المهني، مع التأكيد على أن نجاح هذه القطاعات يرتبط بوجود بيئة تشريعية مستقرة، وحوكمة فعالة، وضمانات قانونية تحمي الاستثمارات الأجنبية.
من المنصات إلى التنفيذ
ويعتبر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المشاركة في المنتديات الاقتصادية، بل في تحويلها إلى مشاريع فعلية على الأرض، في ظل منافسة إقليمية قوية مع دول مثل الإمارات والسعودية ومصر وتركيا، إضافة إلى الحضور المتزايد للاستثمارات الصينية في المنطقة.
خلاصة
في المحصلة، يمثل منتدى الأعمال العربي الألماني المقبل فرصة مهمة لعرض الإمكانات السورية واستقطاب الخبرات ونقل التكنولوجيا، إلا أن نجاحه سيبقى مرهوناً بمدى قدرة الداخل السوري على تنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية تعزز الشفافية وتدعم بيئة الاستثمار.
وبينما يفتح هذا التطور نافذة جديدة نحو الاقتصاد الدولي، فإن التحدي الأكبر يبقى في ترجمة هذا الانفتاح إلى واقع ملموس، يوازن بين متطلبات الامتثال الدولي وضرورات التعافي الاقتصادي الداخلي.








