يتجدد في أروقة مجلس الأمن الدولي مشهد سياسي لافت يتمثل في تقاطع مواقف الدول الأعضاء على دعم سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وهو تقاطع بات يعكس تحوّلاً ثابتاً في المقاربة الدولية للوضع في سوريا، وخاصة مع الترحيب المتكرر بالإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية في مسار العدالة الانتقالية.
هذا الإجماع يحمل في طياته، وفق ما أفادت مصادر سياسية متابعة، دلالات سياسية عميقة، أولها أن المجتمع الدولي بدأ يميل نحو تثبيت مفهوم “الدولة الوطنية” في سوريا، بعد سنوات من التجاذبات التي طغت عليها الانقسامات الحادة فالتأكيد على السيادة ووحدة الأراضي لم يعد مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل أصبح قاعدة مشتركة تنطلق منها مختلف الرؤى الدولية للحل.
في السياق ذاته، يبرز دعم مسار العدالة الانتقالية كأحد أبرز نقاط الالتقاء بين الدول، حيث يُنظر إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية بحق شخصيات متورطة في انتهاكات سابقة على أنها خطوة مفصلية نحو إنهاء عقود من الإفلات من العقاب، وهذا التوجه لا يقتصر على البعد القانوني، بل يمتد ليؤسس لمرحلة جديدة تقوم على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وضمان حقوق الضحايا والناجين، بما يمهد لمصالحة وطنية أكثر رسوخاً.

وتلفت المصادر أيضاً إلى عدم إغفال الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن، الانتهاكات الإسرائيلية، وترى أن تصاعد الدعوات داخل مجلس الأمن لوقف هذه الاعتداءات والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 يعكس اتساع رقعة التوافق الدولي على ضرورة احترام السيادة السورية، ورغم أن هذه المواقف لم تتحوّل بعد إلى إجراءات رادعة، إلا أنها تشير إلى تزايد الضغط السياسي على إسرائيل دولياً، وتنامي القناعة بضرورة ضبط التوترات الإقليمية ضمن أطر قانونية واضحة.
أما على الصعيد الإنساني، فلا يزال الملف السوري يفرض نفسه بقوة، حيث تترافق المواقف السياسية مع دعوات متكررة لزيادة التمويل الدولي لتغطية الاحتياجات الإنسانية، غير أن اللافت هنا هو الربط المتزايد بين العمل الإنساني ومسار التعافي المبكر، بما يعني انتقال الاهتمام من مجرد إدارة الأزمة إلى محاولة الخروج التدريجي منها عبر دعم الاستقرار الاقتصادي والخدمي.
إن تكرار هذا الإجماع الدولي لا يمكن فصله عن إدراك متنامٍ بأن استقرار سوريا يشكل مدخلاً أساسياً لاستقرار المنطقة كلها، ما يدفع باتجاه تبني سياسات أكثر واقعية تقوم على الانخراط والدعم المشروط بالاستقرار.
ختاماً، يمكن القول إن هذا التوافق الدولي، رغم ما يعتريه من تباينات في التفاصيل، يشكل أرضية سياسية قابلة للبناء عليها خلال المرحلة المقبلة، وإذا ما تم استثماره بفعّالية، فإنه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت السيادة، تعزيز العدالة، والانطلاق نحو تعافٍ مستدام يعيد لسوريا موقعها الطبيعي على الساحة الدولية.
الوطن – أسرة التحرير








